أما الرد على الطرف الثاني: ففي قوله تعالى: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (يس:54)
فإن هذه الآية تدل على أن المنفي هو عقوبة العبد بعمل غيره، فقد قال تعالى:
{فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (يس:54)
وأما قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} ... (النجم:39) .
فلا يتعارض مع كون أن هناك أمورًا تنفع الميت بعد موته، وذلك لسببين:-
الأول: أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه كدعاء الملائكة واستغفارهم له كما في قوله تعالى:
{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} (غافر:7)
وكذلك دعاء الأنبياء والمؤمنين واستغفارهم، كما في قوله تعالى:
{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} (التوبة:103) ، وقوله سبحانه:
{وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} (التوبة:99)
وقوله - عز وجل: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} (محمد:19)
وكدعاء المصلين للميت ولمن زاروا قبره من المؤمنين.
الثاني: أن الآية ليست في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه وهذا حق، فإنه لا يملك ولا يستحق إلا سعى نفسه وأما سعى غيره فلا يملكه ولا يستحقه، لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به.
كما أنه دائمًا يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم.
وهو سبحانه بحكمته يرحم العباد بأسباب يفعلها العباد ليثبت أولئك مع تلك الأسباب فيرحم الجميع.
كما في الحديث الذي أخرجه مُسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"ما من رجل يدعو لأخيه بدعوة، إلا وكَّل الله به ملكًا، كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل"
وكما ثبت أيضًا في صحيح مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:
"من صلَّى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تُدفن فله قيراطان، أصغرها مثل أُحُد".
فهو - عز وجل - قد يرحم المصلي على الميت بدعائه له، ويرحم الميت أيضًا بدعاء هذا الحي له.