فإذا حدث الإمتثال وتمت الطاعات وتعلقت القلوب بخالق الأرض والسماوات فحدث عن الخيرات والبركات ولا حرج وإلا من كان يتخيل هذه الإستجابة لهذا النداء ممن اختلفت ألسنتهم وألوانهم وأوطانهم وقد توحدوا في تلبيتهم يتوجهون في صلاتهم إلى بيت الله العتيق يرتدون إزارا ورداء يرجون تجارة لن تبور ينتقلون إلى منى ثم إلى عرفات ويمرون بمزدلفة فلا يقفون بها وفي عرفات يصلون الظهر والعصر جمعا وقصرا ثم يدفعون بعد غروب الشمس إلى مزدلفة حيث يصلون بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ويبيتون بمزدلفة ولا يحيون ليلة النحر ثم يقفون بالمشعر الحرام بعد صلاة الفجر حتى تسفر الشمس ثم يدفعون إلى منى لرمي جمرة العقبة. وكان الحمس وهم المتشددون في دينهم يأنفون من الوقوف بعرفات مع بقية الناس ويقفون بمزدلفة؛ وذلك لأن عرفات من الحل والمزدلفة من الحرم فأمرهم سبحانه أن يقفوا حيثما وقف الناس قال تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله) [البقرة: 199] .
حركة واحدة واندفاعة إيمانية هائلة من شأنها أن تغير الحياة والأحياء لتقيم أمر الله في دنيا الناس وتكون الإستجابة من بعد الإستجابة والطاعة من بعد الطاعة على مستوى الحاكم والمحكوم والكبير والصغير والرجل والمرأة والعربي والعجمي والحياة لا تصلح إلا بأن تكون هكذا (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) [الشورى: 52] .
شأن المؤمن المطيع المستجيب كشأن الحي وشأن الكافر المعرض كشأن الميت (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) [الأنعام: 122] .