وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (فَاطِرٍ: 10) فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الْفَاعِلِيُّ الَّذِي فِي (يَرْفَعُهُ) عَائِدًا عَلَى الْعَمَلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ، يَرْفَعُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصْلُحُ الْأَعْمَالُ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْكَلِمِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ؛ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ فِعْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ لَا يَصِحُّ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} (الْعَادِيَاتِ: 4 وَ 5) فَالْهَاءُ الْأَوْلَى كِنَايَةٌ عَنِ الْحَوَافِرِ وَهِيَ مَوْرِيَاتٍ، أَيْ أَثَرْنَ بِالْحَوَافِرِ نَقْعًا؛ وَالثَّانِيَةُ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِغَارَةِ؛ أَيِ الْمُغِيرَاتِ صُبْحًا {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} (الْآيَةِ: 5) جَمْعَ الْمُشْرِكِينَ؛ فَأَغَارُوا بِجَمْعِهِمْ.
وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ كِتَابًا فِي تَعْيِينِ الضَّمَائِرِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُرْآنِ فِي مُجَلَّدَيْنِ.
الرَّابِعُ: مِنْ مَوَاقِعِ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ، مِنْ أَسْبَابِ الْإِجْمَالِ الظَّاهِرِ
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (آلِ عِمْرَانَ: 7) فَقَوْلُهُ: (الرَّاسِخُونَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ وَيَكُونُ حَذَفَ"أَمَّا"الْمُقَابَلَةَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} (آلِ عِمْرَانَ: 7) وَيُؤَيِّدُهُ آيَةُ الْبَقَرَةِ: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} (الْآيَةِ: 26) .
الْخَامِسُ: مِنْ جِهَةِ غَرَابَةِ اللَّفْظِ