قال العمانيّ وهذه علة خرجت من غير نظر، وتأمل، لأن الساكن قد قارنها فِي اللفظ وصلاً، ولأجله حذفت فِي الخط فثبتت الكتابة على اللفظ فِي حال الوصل، ولولا ذلك لم يجز حذفها فِي الخطّ.
ألا ترى أنّك لو قلت فِي الكلام"وما أنت بهادي زيد"
لم يجز حذف الياء منه فِي الخطّ، كما لم يجز حذفها فِي اللفظ لعدم الساكن
بعدها، فقد علمت أنّ حذف الياء من أحد الموضعين فِي القرآن خطًّا
إنّ صح، إنّما هو بناء على اللفظ؛ لأنّها تسقط فِي اللفظ، وسقوطها في
اللفظ لمقارنتها الساكن بعدها بدليل أنّها لا تسقط إذا عدم الساكن بعدها
في الموضع الذي أريتك.
والعلّة التي ذكرها فاسدة إنْ عنى بها أنّه لم يقارنها ساكن فِي الوصل، وإن عنى بذلك حال الوقف، وزعم أن الساكن يفارقها فِي الوقف فلمفارقته إياها رد الياء كان فِي ذلك مناقضاً لأصله، وأصول أهل الكوفة؛ لأنهم يتّبعون خطّ المصحف، ويحذفون الياءات المحذوفة فيه سواء أحذفت لاستغنائهم بالكسرة عنها، أمْ لالتقاء الساكنين لفظاً فِي حال الوصل.
فما حذف منها لمقارنة الساكن هو نحو قوله: (يَقْضِ الحَقَّ)
(واخْشَوْنِ اليَوْمَ)
وما حذف لاستغنائهم عنها بالكسرة نحو (المَهْتَدِ) فِي بني إسرائيل والكهف، (وَمَنْ اتبَعَنِ) فِي آل عمران.
وفي القرآن من الضربين كثير.
والكسائي وأصحابه يقفون على سائرها بالحذف اتباعاً"للمصحف فما باله خص قوله: (بهادِ العمي) بالياء فِي حال الوقف خلافاً لأصولهم؟"
وهلَّا وقف على (يَقض الحقَّ) : (يقضي) ، وعلى (واخشونِ اليوم) :
(واخشوني) ؟
على أني لا أعرف أن الكسائي يقف على هذا الحرف
بالياء، ولا نأخذ به إلا بالحذف فِي الحالين، فإنّ صح ذلك عنه كما
ذكره، فلا بد من علة يلتجئ إليها سوى هذه العلة؛ لأنّي قد أريتك
فسادها.
ووجهه عندي، والله أعلم، أنه لَمَّا وجدها ثابتة فِي بعض
المصاحف، ومحذوفة فِي بعض احتاط لها بالإثبات خوفاً من أن تكون