وأن ذلك مما يحزنه، ومثله (فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) لأن القارئ يجوز له أن يتجاوز الوقف إلى الوقف الذي بعده إن قوي نفسه على ذلك إلَّا فِي مثل هذا لما ذكرته.
على أن الاختيار عند القراء الوقف على ما هو وقف لما في
ذلك من معرفة انفصال الكلام بعضه من بعض ومن تبيين المعنى.
وقالوا: من تجاوز الوقف وقف فِي غير الوقف أي أنه ينقطع نفسه
في غير الوقف، وقد يكون الموضع وقفاً على معنى وغيروقف على
معني آخر كقوله تعالى: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ)
إن كان (ومَنْ عِنْدَهُ) معطوفاً على ما قبله لم يكن الوقف تاماً.
ولم يجز الابتداء بما بعده، وهو وقف تام على أن (وَمَنْ عِنْدَهُ)
مبتدأ، وعلى هذا الوجه كان الشيخ أبو الجود، رحمه الله، يعمل، ولا
أشك فِي أنه نقله، وتلقاه فِي حال قراءته.
وكذلك الوقف على (لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا)
على أن (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) بمعنى"ما كنا فاعلين"وليس كذلك على أن (إِنْ)
شرط، وقد يكون الوقف على قراءة تاماً، وعلى أخرى غير تام كقوله
عز وجل: (الحميدِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السماواتِ) .
وهو وقف تام على قراءة نافع، وابن عامر، وقراءتهما برفع اسم الله
عز وجل، وقرأ الباقون بالخفض، فلا يجوز الابتداء به على قراءتهم.
ولهذا نظائر كثيرة.
ومن الاختلاف فِي الوقف لاختلاف المعنى قوله عز وجل: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ، وهو وقف تام على أن ما بعده مبتدأ وخبر، وإلى هذا الوقف ذهب نافع، والكسائي، والفراء، والأخفش، وابن كيسان، وأبو حاتم ويعقوب، وابن إسحاق، والطبري، وإلى معناه ذهب مالك بن أنس، رحمه الله، ومعنى (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)
يسلْمون ويصدقون فِي قول ابن عباس، رحمه الله، وعائشة.
رضي الله عنها، وابن مسعود رضي الله عنهم.