{إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد} [هود: 87] أي السفينه الضال ، فعرضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات حسب ما تقدم في سورة هود ، وقال تعالى في أبي جهل {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم} [الدخان: 49] ، وقال تعالى في الذين قذفوا مريم: إنهم قالوا: {ياأخت هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ أمرأ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} فمدحوا أباها ، ونفوا عن أمها البغاء أي الزنى وعرضوا لمريم بذلك ولذلك قال تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} [النساء: 156] وكفرهم معروف والبهتان العظيم هو التعريض لها أي ما كان أبوك أمرأ سوء ، وما كانت أمك بغياً: أي أنت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد ، وقال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السماوات والأرض قُلِ الله وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهدى ، ففهم من هذا التعريض ما يفهم من صريحه اهـ. محل الغرض من كلام القرطبي مع تصرف قليل لأيضاح المراد.
وحاصل كلام القرطبي المذكور: أن من أدلة القائلين بوجوب الحد بالتعريض آيات قرآنية ، وبين وجه دلالتها على ذلك كما رأيته ، وذكر أن من أدلتهم أن المعرة اللاحقة للمقذوف صريحاً تلحقه بالتعريض له بالقذف ، ولذلك يلزم استواؤهما ، وذكر أن من أدلتهم أن المعول على الفهم ، والتعريض يفهم منه القذف فيلزم أن يكون كالصريح.