ولذ لو قال إنسان: هذه الدار وقف على الفقراء والمساكين ، وبني زهرة ، وبني تميم إلا الفاسق منهم ، فإنه يخرج من الوقف الفاسق من الجميع لرجوع الاستثناء للجميع ، خلافاً لأبي حنيفة القائلك برجوعه للأخيرة ، فلا يخرج عنده إلا فاسق الأخيرة فقط ، ولأجل ذلك لا يرجع عنده الاستثناء في هذه الآية ، إلا للجملة الأخيرة التي هي {وأولئك هُمُ الفاسقون إِلاَّ الذين تَابُواْ} فقد زال عنهم الفسق ولا يقول: ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم ، بل يقول: إن شهادة القاذف لا تقبل أبداً ، ولو تاب وأصلح ، وصار أعدل أهل زمانه لرجوع الاستثناء عنده للجملة الأخيرة.
وممن قال كقول أبي حنيفة من أهل العلم: القاضي شريح ، وإبراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير ، ومكحول ، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر ، وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته إلا إذا اعترف على نفسه بالكذب. قاله ابن كثير.
وقال جمهور أهل العلم ، منهم الأئمة الثلاثة: إن الاستثناء في الآية راجع أيضاً لقوله {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} وأن القاذف إذا تاب وأصلح قبلت شهادته. أما قوله {فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً} فلا يرجع له الاستثناء ، لأن القاذف إذا تاب وأصلح ، لا يسقط عنه حد القذف بالتوبة.