فتحصل أن الجملة الأخيرة التي هي قوله {وأولئك هُمُ الفاسقون} يرجع لها الاستثناء بلا خوف ، وأن الجلمة الأولى التي هي {فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً} لا يرجع له الاستثناء في قول عامة أهل العلم ، ولم يخالف إلا من شذ ، وأن الجملة الوسطى ، وهي قوله {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} يرجع لها الاستثناء في قول جمهور أهل العلم ، منهم الأئمة الثلاثة خلافاً لأبي حنيفة ، وقد ذكرنا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آية الكتاب ، أن الذي يظهر لنا في مسألة الاستثناء بعد جمل متعاطفات أو مفردات متعاطفات هو ما ذكره بعض المتأخرين ، كابن الحاجب من المالكية ، والغزالي من الشافعية ، والآمدي من الحنابلة من أن الحكم في الاستثناء ، الآتي بعد متعاطفات هو الوقف ، ولا يحكم برجوعه إلى الجميع ، ولا إلى الأخيرة إلا بدليل.
وإنما قلنا: إن هذا هو الأظهر لأن الله تعالى يقول: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول} [النساء: 59] الآية.
وإذا رددنا النزاع في هذه المسألة إلى الله وجدنا القرآن دالاً على ما ذكرنا أنه الأظهر عندنا ، وهو الوقف. وذلك لأن بعض الآيات لم يرجع فيها الاستثناء للأولى وبعضها لم يرجع فيه الاستثناء للأخيرة ، فدل ذلك على أن رجوعه لما قبله ليس شيئاً مطرداً.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} [النساء: 92] ، فالاستثناء في هذه الآية راجع للدية فقط ، لأن المطالبة بها تسقط بتصدق مستحقها بها ، ولا يرجع لتحرير الرقبة إجماعاً ، لأن تصدق مستحقي الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ.
ومن أمثلة ذلك آية النور هذه ، لأن الاستثناء في قوله: {إِلاَّ الذين تَابُواْ} لا يرجع لقوله: {فاجلدوهم ثَمَانِينَ} كما ذكرنا آنفاً.