ويتأيّد الإشكال بأنه قد جاء في كتاب الله عز وجل كِلاَ الأمرين ؛ فإن آية المحاربة فيها عود الضمير إلى الجميع باتفاق ، وآية قتل المؤمن خطأ فيها ردّ الاستثناء إلى الأخيرة باتفاق ، وآية القذف محتملة للوجهين ، فتعيّن الوقف من غير مَيْن.
قال علماؤنا: وهذا نظر كليّ أصولي.
ويترجح قول مالك والشافعيّ رحمهما الله من جهة نظر الفقه الجزئي بأن يقال: الاستثناء راجع إلى الفسق والنهي عن قبول الشهادة جميعاً إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له.
وأجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الكفر ، فيجب أن يكون ما دون ذلك أوْلى ؛ والله أعلم.
قال أبو عبيد: الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة ؛ قال: وليس مَن نسب إلى الزنى بأعظم جرماً من مرتكب الزنى ، ثم الزاني إذا تاب قبلت شهادته ؛"لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى ؛ مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن ؛ منها قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ إلى قوله إِلاَّ الذين تَابُواْ} [المائدة: 33] .
ولا شك أن هذا الاستثناء إلى الجميع ؛ وقال الزجاج: وليس القاذف بأشد جرماً من الكافر ، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته.
قال: وقوله:"أَبَداً"أي ما دام قاذفاً ؛ كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبداً ؛ فإن معناه ما دام كافراً.
وقال الشَّعْبِي للمخالف في هذه المسألة: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته! ثم إن كان الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة عند أقوام من الأصوليين فقوله:"وأولئك هم الفاسِقون"تعليل لا جملة مستقلة بنفسها ؛ أي لا تقبلوا شهادتهم لفسقهم ، فإذا زال الفسق فلمَ لا تقبل شهادتهم.
ثم توبة القاذف إكذابه نفسه ، كما قال عمر لقَذَفة المغيرة بحضرة الصحابة من غير نكير ، مع إشاعة القضية وشهرتها من البصرة إلى الحجاز وغير ذلك من الأقطار.