وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تَجُوزُ فِي الْإِسْلَامِ شَهَادَةُ مُجَرَّبٍ عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورِ وَلَا خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا مَجْلُودٍ حَدًّا وَلَا ذِي غَمْرٍ لِأَخِيهِ وَلَا الصَّانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ وَلَا ظَنِينٍ وَلَا قَرَابَةٍ} ؛ فَأَبْطَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْقَوْلَ بِإِبْطَالِ شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ، فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي بُطْلَانَ شَهَادَةِ سَائِرِ الْمَحْدُودِينَ فِي حَدِّ قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ إلَّا أَنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى جَوَازِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي غَيْرِ الْقَذْفِ إذَا تَابَ مِمَّا حُدَّ فِيهِ، وَلَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ فِي الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ، فَهُوَ عَلَى عُمُومِ لَفْظِهِ تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ؛ وَإِنَّمَا قَبِلْنَا شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ فِي غَيْرِ الْقَذْفِ إذَا تَابَ لِأَنَّ بُطْلَانَ شَهَادَتِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِسْقِ فَمَتَى زَالَتْ عَنْهُ سِمَةُ الْفِسْقِ كَانَتْ شَهَادَتُهُ مَقْبُولَةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ الْحَدَّ مِنْ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ قَدْ أَوْجَبَ تَفْسِيقَهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْحَدِّ بِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بُطْلَانُ شَهَادَتِهِ بِالْحَدِّ كَانَ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْفُسَّاقِ إذَا تَابُوا فَتُقْبَلُ شَهَادَاتُهُمْ، وَأَمَّا الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ فَلَمْ يُوجِبْ الْقَذْفُ بُطْلَانَ شَهَادَتِهِ قَبْلَ وُقُوعِ الْحَدِّ بِهِ لِأَنَّهُ
جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي قَذْفِهِ،
وَإِنَّمَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ بِوُقُوعِ الْحَدِّ بِهِ فَلَمْ تُزِلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِتَوْبَتِهِ. انتهى انتهى. {أحكام القرآن للجصاص حـ 3 صـ}