قِيلَ لَهُ: لِأَنَّ النِّكَاحَ الثَّانِيَ مِمَّا يَجُوزُ وُقُوعُ الْحُكْمِ بِهِ فَجَازَ أَنْ تَبْطُلَ بِهِ الْفُرْقَةُ الْوَاقِعَةُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، وَالتَّوْبَةُ لَيْسَتْ مِمَّا يَحْكُمُ بِهِ الْحَاكِمُ فَلَا تَثْبُتُ فِيهِ الْخُصُومَاتُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْطُلَ بِهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِ ، وَلَكِنَّهُ لَوْ شَهِدَ الْقَاذِفُ بِشَهَادَةٍ عِنْدَ حَاكِمٍ يَرَى قَبُولَ شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَحَكَمَ بِجَوَازِ شَهَادَتِهِ بَعْدَ حُكْمِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا زَنَى فَحَدَّهُ الْحَاكِمُ ثُمَّ تَابَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَلَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْحَاكِمِ مَانِعًا مِنْ قَبُولِهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ قِيلَ لَهُ: الزَّانِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بُطْلَانُ شَهَادَتِهِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَإِنَّمَا بَطَلَتْ بِزِنَاهُ قَبْلَ أَنْ يَحُدَّهُ الْحَاكِمُ لِظُهُورِ فِسْقِهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بُطْلَانُ شَهَادَتِهِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بَلْ بِفِعْلِهِ جَازَتْ عِنْدَ ظُهُورِ تَوْبَتِهِ وَشَهَادَةُ الْقَاذِفِ لَمْ تَبْطُلْ بِقَذْفِهِ لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا ، وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِكَذِبِهِ وَفِسْقِهِ عِنْدَ جَلْدِ الْحَاكِمِ إيَّاهُ فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَقْذِفْ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَيُجْلَدُ هِلَالٌ وَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ} .