{وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ} [النور: 32] الآية أعلم مطلقاً من آية {الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} الآية ، فالقول بنسخها لها ممنوع على المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين ، وإنما يجوز ذلك على المقرر في أصول أبي حنيفة رحمه الله ، كما قدمنا إيضاحه في سورة الأنعام ، وقد يجاب عن قول سعيد ، والشافعي بالنسخ بأنهما فهماه من قرينة في الآية ، وهي أنه لم يقيد الأيامة الأحرار بالصلاح ، وإنما قيد بالصلاح في أيامى العبيد والإماء ، ولذا قال بعد الآية {والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} [النور: 32] .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقاً ، لأن حمل النكاح فيها على التزويج ، لا يلائم ذكر المشركة والمشرك ، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة بالآية ، فإنها تعين أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج: ولا أعلم مخرجاً واضحاً من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسف ، وهو أن أصح الأقوال عند الأصوليين كما حرره أبو العباس بن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن ، وعزاه لأجلاء علماء المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على معنييه ، أو معانيه ، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد ، وتعني بذلك أنهم عوروا عينه الباصرة وغوروا عينه الجارية. وسرقوا عينه التي هي أو فضته.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج ، خلافاً لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما ، مجاز في الآخر كما أشرنا له سابقاً ، وإذا جاز حمل المشترك على معنيه ، فيحمل النكاح في الآية على الوطء ، وعلى التزويج معاً ، ويكون ذكر المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد ، وهذا هو نوع التعسف الذي أشرنا له ، والعلم عند الله تعالى.
وأكثر أهل العلم على إباحة تزويج الزانية والمانعون لذلك أقل وقد عرفت أدلة الجميع.