ومما سبق يظهر أن اسم التفضيل إما أن يكون معرَّفًا بأل، أو الإضافة، أو خاليًا منهما وإذا كان اسم التفضيل غير معرف بأل وغير مضاف لزم أن يأتي بعده (بمن) جارة للمفضول، وإن حُذفت كان موضعها ظاهرًا، والآية كما هو واضح خارجة عن هذه الحالات الثلاث لاسم التفضيل، ولذا كان اسم التفضيل غير دال على معنى التفضيل، بل هو دال على مطلق الوصف والانفراد بالفعل، أي: الطهارة، وانفراد الزواج وإتيان النساء لأنها فطرة اللَّه عن غير ذلك مما حرمه.
وقد جاء اسم التفضيل بمعنى اسم الفاعل، أو الصفة المشبهة قياسًا عند المبرد، سماعًا عند غيره. وهو الأصح كما في البيت، فإنهما بمعنى صغير وكبير.
وهذا البيت أورده المبرد في الكامل عند شرح قول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بني لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول
قال: وجائزٌ أن يكون التقدير: دعائمه عزيزة طويلة، كما قال الآخر:
قبحتم يا آل زيدٍ نفرا. . . . البيت
قال: يريد صغارًا وكبارًا.
وقال العكبري: وأما (أمْيَلُ) فهو أفعل بمعنى فاعل كما جاءَ أكبرُ بمعنى كبير وأَوْحَدُ بمعنى واحدٍ وليسَ المعنى أنّي أكثرُ مَيْلًا منكم.
فقد تستعمل للمنفرد بالفعل، كقول اللَّه تعالى: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي} (يونس: 35) ، وقال تعالى: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ} (الأنعام: 81) وقال لوط: {بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} (هود: 78) أي من أدبار الرجال، ولا طهارة فيهم.
وصيغة التفضيل قد ترد مرادًا بها مطلق الوصف، لا حصول التفضيل بين شيئين وصيغة التفضيل في الآيات المذكورة لمطلق الوصف لا للتفضيل، والآيات التي ذكر معلوم أنها لا يمكن أن تكون للتفضيل، لأن الأصنام لا نصيب لها من أحقِّيِّة الاتباع أصلًا في قوله: {أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي} (يونس: 35) ولأن الكفار لا نصيب لهم في الأحقية بالأمن، ولأن أدبار الرجال لا نصيب لها في الطهارة.
الوجه الرابع: الإسلام أصَّل قاعدة سد الذرائع الموصلة للزنا.