قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه فيه ترتيب الرجم على أربع شهادات على نفسه: أي أربع إقرارات بصيغة ترتيب الجزاء على الشرط ، لأن لما مضمنة معنى الشرط وترتيب الحدّ على الأربع ترتيب الجزاء على شرطه ، دليل على اشتراط الأربع المذكورة ، والرجل المذكور في هذا الحديث ، هو ماعز بن مالك وقصته مشهورة صحيحة ، وفي ألفاظ رواياتها ما يدل على أنه لم يرجمه ، حتى شهد على نفسه أربع شهادات كما رأيت في الحديث المذكور آنفاً ، وقد علمت مما ذكرنا ما استدل به كل واحد من الفريقين.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم في هذه المسألة عندي: هو الجمع بين الأحاديث الدالة على اشتراط الأربع: والأحاديث الدالة على الاكتفاء بالمرة الواحدة ، لأن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن ، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، ووجه الجمع المذكور هو حمل الأحاديث التي فيها التراخي ، عن إقامة الحد بعد صدور الإقرار مرة على من كان أمره ملتبساً في صحة عقله ، واختلاله ، وفي سكره ، وصحوه من الكسر ، ونحو ذلك.
وحمل أحاديث إقامة الحد بعد الإقرار مرة واحدة على من عرفت صحة عقله وصحوه من السكر ، وسلامة إقراره من المبطلات ، وهذا الجمع رجحه الشوكاني في نيل الأوطار.
ومما يؤيده أن جميع الروايات التي يفهم منها اشتراط الأربع كلها في قصة ماعز ، وقد دلت روايات حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدري أمجنون هو أم لا ، صاح هو أو سكران. بدليل قوله له في الحديث المتفق عليه المذكور آنفاً."أبك جنون"وسؤاله صلى الله عليه وسلم لقومه عن عقله ، وسؤاله صلى الله عليه وسلم أشرب خمراً ، فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر ، وكل ذلك ثابت في الصحيح ، وهو دليل قوي على الجمع بين الأحاديث كما ذكرنا والعلم عند الله تعالى.
فروع تتعلق بهذه المسألة