يَدُلُّ عَلَيْهِ (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ) . (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) . (وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) .
وَهَذَا كُلُّهُ إِشَارَةٌ إِلَى السَّبْقِ فِي الْقَوْلِ فِي الْقِدَمِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْأَزَلَ فِي الْوُجُودِ.
وَهَذِهِ النُّكْتَةُ كَافِيَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ.
وَلَهُمْ آيَاتٌ احْتَجُّوا بِهَا عَلَى مَذْهَبِهِمْ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) الْآيَةَ.
وَمِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً) .
وَ (مَفْعُولًا) وَمَا كَانَ مِثْلَهُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: مَعْنَى (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ) أَيْ مِنْ وَعْظٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَعْدٍ وَتَخْوِيفٍ (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) ، لِأَنَّ وَعْظَ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ وَتَحْذِيرَهُمْ ذِكْرٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ) .
وَيُقَالُ: فُلَانٌ فِي مَجْلِسِ الذِّكْرِ.
وَمَعْنَى (وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً) و (مَفْعُولًا) أراد سبحانه
عِقَابَهُ وَانْتِقَامَهُ مِنَ الْكَافِرِينَ وَنَصْرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَمَا حَكَمَ بِهِ وَقَدَّرَهُ مِنْ أَفْعَالِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا) وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) يَعْنِي به شأنه وأفعال وَطَرَائِقَهُ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
لَهَا أَمْرُهَا حَتَّى إِذَا مَا تَبَوَّأَتْ ... بِأَخْفَافِهَا مَرْعًى تَبَوَّأَ مَضْجَعَا
* الثَّانِيَةُ - وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ من الإرادة في شيء .
وَالْمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: الْأَمْرُ نَفْسُ الْإِرَادَةِ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ يَأْمُرُ بِمَا لَا يُرِيدُ وَيَنْهَى عَمَّا يُرِيدُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْهُ، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ أُمَّتِهِ خَمْسِينَ صَلَاةً، وَلَمْ يُرِدْ مِنْهُ إِلَّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ.
وَقَدْ أَرَادَ شَهَادَةَ حَمْزَةَ حَيْثُ يَقُولُ: (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ) .