ولمّا تمّ معلوم الله تعالى من فرعون وقومه في مجادلة موسى عليه السّلام أوحى [الله] إلى موسى أن أسر {بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [الدّخان:23] ، وكان الميعاد ساحل البحر، وتأهّب موسى للخروج وكان لا يتّفق له ذلك، فشاور قومه فذكروا وصيّة من جهة يوسف عليه السّلام، وهو أن يخرجوا بتابوته إذا خرجوا، فطلبوا من يدلّهم فلم يجدوا إلاّ عجوزا قبطيّة دلّتهم عليه على شريطة أن يخرج بها موسى عليه السّلام مع نفسه ويدخل الجنّة معها، فضمن موسى عليه السّلام لها ذلك، فدلّتهم على صخرة مصمّدة في قعر الوادي فاستخرجوه، ثمّ استعاروا من حليّ قوم فرعون يستدرجونهم بها، وخرجوا ليلة الأحد التّاسع من المحرّم، وكانت علامتهم لطخ الأبواب بدماء الذّبائح، من انتهى إلى باب أخيه ورأى تلك العلامة تيقّن بخروجه ولم ينتظره، فلمّا اجتمعوا بالبرية اعترضهم موسى عليه السّلام فكانوا ستّ مئة ألف وعشرين ألف فارس مقاتل سوى الرجالة والنّساء والمشايخ والصّبيان، وجعل موسى هارون عليه السّلام على مقدّمتهم وأمره بأن يقودهم إلى البحر فإنّه ميعاد جبريل عليه السّلام، وكان هو في ساقتهم يسوق سبطا سبطا، وانتبه قوم فرعون وقت السّحر فلم يحسّوا بأصوات بني إسرائيل، فتفقّدوهم فوجدوهم قد خرجوا، فأخبروا فرعون بذلك فأراد فرعون أن يتغافل عنهم، قالوا: كيف وقد استعاروا أموالنا وحليّنا وذهبوا بها، فحملهم ذلك على أن خرجوا في أثر بني إسرائيل غداة يوم الأحد، وقيل: غداة يوم الاثنين، والزّمان زمان الصّيف، وكان هامان على مقدّمتهم في ألف ألف فارس، فلحقوهم وقت الهاجرة
(124 و) {فَلَمّا} تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (61) وقال موسى:
{كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ،} فأوحى الله إلى موسى {أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ} [الشّعراء:61 - 63] ، قيل: وكان موسى مأمورا بأن يخاطب البحر ويكنيه بأبي خالد. قالوا:
وكان جبريل على رمكة بلقاء وفرعون على حصان، فتقدّم جبريل بين يدي فرعون والرّمكة كأنّها تستودق، فصال عليها الحصان ولم يستطع فرعون أن يمسكه حتى اقتحم البحر، ولم يلتطم، فظنّ العسكر أنّ البحر إنّما انفلق بأمر فرعون فاتّبعوه كلّهم، فلمّا خرجت بنو إسرائيل وحصل فرعون مع قومه كلّهم في البحر أتمّ الله مقدوره فيه وفيهم.
137 - {الْأَرْضِ:} أرض فرعون، {بارَكْنا فِيها} : أي: بالخصب، وقيل: