; فَالْخِنْزِيرُ وَمَا شَاكَلَهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ مُحَرَّمَةٌ لِعَيْنِهَا ; وَلِهَذَا تَبْقَى عَلَى تَحْرِيمِهَا فِي جَمِيعِ أَطْوَارِهَا وَحَالَاتِهَا ، وَأَمَّا مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ ، أَوْ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ أَتَى فِيهِ لِعَارِضٍ ، وَهُوَ ذَلِكَ الْفِعْلُ ، ثُمَّ أَتَى نَصٌّ آخَرُ عَامٌّ فِي طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَأَنَّهُ حَلَالٌ ، فَأُخْرِجَ مِنْهُ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ ضَرُورَةً وَبِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا ، وَبَقِيَ الْمُحَرَّمُ لِغَيْرِهِ ; وَهُوَ مَسْأَلَتَانِ ، إِحْدَاهُمَا مَسْأَلَةُ التَّسْمِيَةِ ، وَالثَّانِيَةُ مَسْأَلَةُ الْمُنْخَنِقَةِ ، فَبَقِيَتَا فِي مَحَلِّ الشَّكِّ ; لِتَجَاذُبِ كُلٍّ مِنْ نَصَّيِ التَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ لَهُمَا ، فَوَجَدْنَا إِحْدَاهُمَا - وَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّسْمِيَةِ - وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَذَهَبَ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ إِلَى الْإِبَاحَةِ ، وَبَقِيَتْ مَسْأَلَةُ الْمُنْخَنِقَةِ الَّتِي يَتَّخِذُهَا أَهْلُ الْكِتَابِ طَعَامًا لَهُمْ مَسْكُوتًا عَنْهَا ، فَكَانَ قِيَاسُهَا عَلَى مَسْأَلَةِ التَّسْمِيَةِ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ ; لِاتِّحَادِ الْعِلَّةِ ، وَأَمَّا قِيَاسُهَا عَلَى مَسْأَلَةِ الْخِنْزِيرِ فَهُوَ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ فَلَا يَصِحُّ ، إِذْ شَرْطُ الْقِيَاسِ: الْمُسَاوَاةُ ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَجَالِ لِأَنَّهُ مُهِمٌّ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَكَلَامُ النَّاسِ فِيهِ كَثِيرٌ ، وَاللهُ يُؤَيِّدُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . انْتَهَى"."
(مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِي طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ)