و {الذين أوتوا الكتاب} : هم أتباع التوراة والإنجيل ، سواء كانوا ممّن دعاهم موسى وعيسى عليهما السلام إلى اتّباع الدين ، أم كانوا ممّن اتّبعوا الدينيين اختياراً ؛ فإنّ موسى وعيسى ودعَوا بني إسرائيل خاصّة ، وقد تهوّد من العرب أهل اليمن ، وتنصّر من العرب تغلب ، وبهراء ، وكلب ، ولخم ، ونَجران ، وبعض ربيعة وغسّان ، فهؤلاء من أهل الكتاب عند الجمهور عدا عليّا بن أبي طالب فإنه قال: لا تحلّ ذبائح نصارى تغلب ، وقال: إنّهم لم يتمسّكوا من النصرانية بشيء سوى شرب الخمر.
وقال القرطبي: هذا قول الشافعي ، وروى الربيع عن الشافعي: لا خير في ذبائح نصارى العرب من تغلب.
وعن الشافعي: من كان من أهل الكتاب قبل البعثة المحمّدية فهو من أهل الكتاب ، ومن دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن فلا يقبل منه إلاّ الإسلام ، ولا تقبل منه الجزية ، أي كالمشركين.
وأمَّا المجوس فليسوا أهل كتاب بالإجماع ، فلا تؤكل ذبائحهم ، وشذّ من جعلهم أهل كتاب.
وأمَّا المشركون وعبدة الأوثان فليسوا من أهل الكتاب دون خلاف.
وحِكمة الرخصة في أهل الكتاب: لأنّهم على دين إلهي يُحرّم الخبَائث ، ويتقي النجاسة ، ولهم في شؤونهم أحكام مضبوطة متّبعة لا تظنّ بهم مخالفتها ، وهي مستندة للوحي الإلهي ، بخلاف المشركين وعبدة الأوثان.
وأمّا المجوس فلهم كتاب لكنّه ليس بالإلهي ، فمنهم أتباع (زَرَادشْت) ، لهم كتابُ (الزندفستا) وهؤلاء هم محلّ الخلاف.
وأمّا المجوس (المَانَويَّة) فهم إباحية فلا يختلف حالهم عن حال المشركين وعبدة الأوثان ، أو هم شرّ منهم.
وقد قال مالك: ما ليس فيه ذكاة من طعام المجوس فليس بحرام يعني إذا كانوا يتّقون النجاسة.
وفي"جامع الترمذي": أنّ أبا ثعلبة الخشني سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قدور المجوس.