إنه سبحانه لو عاملنا بكفرنا وجحودنا وظلمنا لمنع النعمة ، ولكن استدامة نعمة الله علينا فضل منه ورحمة لأنها تشملنا حتى ولو كنا ظالمين وكنا كفارا ؛ لذلك كان من اللازم أن يأتي بهاتين الآيتين ، فمن ناحية النعمة لن نقدر على حصرها . ومن ناحية المنعم فهو غفور رحيم . ومن ناحية المنعم عليه فهو ظلوم كفار . ولذلك فعندما يرتكب الإنسان ذنبا فإن أهل الإيمان يقولون له: لا تيأس ؛ فربك هو ، هو ، إنه غفور رحيم . ولذلك لا تستحي أيها العبد أن تطلب من ربك شيئا على الرغم من معصيتك ، فالله غفور رحيم . وعندما ننظر إلى مقومات الأشياء ، فإننا نعرف المقوم الأساسي .
لكن هناك مقومات تخدم المقوم الأساسي . ومثال ذلك نحن نأخذ القمح وندرسه ، ونصنع من حبوب القمح دقيقا لنصنع منه خبزاً . ويحتاج القمح إلى مقومات كثيرة حتى يخرج من الأرض - وهو مقوم أساسي - إن القمح يحتاج إلى ري منتظم وحرث وخلاف ذلك ، إذن فالذي خلقنا قدر لنا هذه الأشياء ، وما دام قد قدر لنا كل هذه الأشياء ، فعلينا أن نسمع تعاليمه . وهو قد أوضح: إياك أن تظن أن كل ما خلقت من خلق فأنا مُحِلّه لك ؛ لأني قد أخلق خلقاً ليس من طبيعته أن تتناوله ، وليس من طبيعتك أن تتناوله ، ولكن لهذا المخلوق عمل فيما تتناوله كالحرث والري والتسميد للقمح ، إنها وسائل وأسباب للحصول عليه . فإذا ما قال قائل: ما دام هو سبحانه قد خلق هذه المحركات فلماذا حرمها؟
ونقول: هذه الأشياء ليس لها عمل مباشر فيك ولكن لها عمل آخر في الكون . وإذا كنا نحن البشر نصنع آلة ما ، ويقول المخترع لنا: قد صممت هذه الآلة - على سبيل المثال - لتدار بالديزل ، وآلة أخرى تدار البنزين ، والبنزين أنواع ، ولو جئنا للآلة التي تدار ببنزين ووضعنا لها سولارا ، ما الذي يحدث لها؟ إنها تفسد ، هذا في المجال البشري فما بالنا بخالق البشر؟