ولقد أفاض فقهاؤنا في تأكيد حماية الشريعة لحقوق الفرد الأساسية التي يطلق عليها اسم الحرمات، لتحريم المساس بها أو الاعتداء عليها، وهي حرمة شخصه وعقله وعرضه وماله، وهذا التحريم أساس العقوبات المقررة للجرائم التي تهدد الفرد في نفسه وشخصه - بالقصاص، أو في عقله -بحد الخمر، أوفي عرضه - بحد الزنى والقذف أو في ماله -بحد السرقة والحرابة-، وقد اعتمد فقهاؤنا في تقرير هذه الحرمات على نصوص القرآن والسنة النبوية التي أشارت إلى هذه الحرمات، وفرضت عقوبة حدية أو قصاصية أو تعزيزه على انتهاكها.
إن الحرية في الإسلام حق فطرى للإنسان، يتمتع به الفرد بحكم ولادته، وقد عبر عن ذلك عمر بن الخطاب بقوله لعمرو بن العاص معاتبا:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟"والإسلام دين الفطرة، ومعنى ذلك أنه يحمى للإنسان حقوقه وحرياته الفطرية التي يستمدها من صفته الإنسانية، وتكريم الله له منذ إن جعل آدم وذرياته خلفاء له في الأرض، وأمر الملائكة إن يسجدوا له، ووهبهم العقل والفكر، وهما أساس المسئولية عن هذه الخلافة، التي يحاسبون عليها يوم القيامة مقابل تمتعهم بها.
وليست حرية الفرد في إن يعيش دون أمة أو جماعة متضامنة متكاملة، إنها حرية الغرائز المطلقة بلا شريعة تضبطها وتكبح جماحها، وليست حرية الأوابد في الغابة التي تعنى إن يفعل كل ما يقدر عليه، فتسمح للقوى إن يأكل الضعيف، ولكل مخلوق إن يتصرف حسب غرائزه وطبائعه وأهوائه، سواء أكان ضعيفا أم قويا، إنها ليست حرية الانعزال أو الشذوذ أو الخروج عن المجتمع وشريعته ونظمه، إنها ليست حرية الفوضى أو الفوضويين الذين يريدون مجتمعا بلا نظام أودين، ويرفعون شعارهم:"لا رئيس ولا إله".
ولتحقيق التوازن بين حرية الفرد والنظام في المجتمع الإسلامي شرعت الشورى، فالشورى حرية ولكنها حرية جماعية، ونظام والتزام وحدود وضوابط تفرضها شريعة خالدة ثابتة، وقرارات جماعية شورية ملزمة.
إنها حرية المجتمع في تقرير مصيره واختيار نظامه وحكامه أولا، وحرية الفرد في إن يشارك في كل ذلك برأيه مع الآخرين، ويسهم في قرارات المجتمع، متمتعا بحريته الفطرية في إبداء الرأي ومناقشة الآراء الأخرى في حوار حر -مرسل أو منظم - على إن يلتزم هو وغيره بما تصدره الشورى من قرارات تعبر عن رأى الجماعة سواء أحازت الإجماع أم الأغلبية.
إن الشورى توازن بين حرية الفرد ونظام الجماعة مع ارتباط تام بينهما، إنها ميزان التكامل والتكافل بين الفرد والأمة، إنها تضامن المجتمع والمساواة بين الناس في الحرية.