كيفية إجراء الشورى:
اكتفت الشريعة بتقرير الشورى كمبدأ عام وتركت لأولياء الأمور في الجماعة إن يضعوا معظم القواعد اللازمة لتنفيذه، لأن هذه القواعد تختلف تبعا لاختلاف الأمكنة والجماعات والأوقات، فلأولياء الأمور مثلا إن يعرفوا رأى الشعب عن طريق رؤساء العشائر، أو عن طريق ممثلي الطوائف، أو يأخذوا رأى الأفراد الذين تتوافر فيهم صفات معينة إما بطريق التصويت المباشر وإما بطريق التصويت غير المباشر، ولأولياء الأمور إن يسلكوا أي سبيل آخر يرون أنه أفضل من غيره في تعرف رأى الجماعة بشرط إن لا يكون في ذلك كله ضرر ولا ضرار بصالح الأفراد أو الجماعة أو النظام العام.
أما القواعد الأساسية الخاصة بتطبيق مبدأ الشورى وتنفيذه - وهي قليلة-فقد بينت الشريعة أحكامها ولم تتركها لأولياء الأمور، وهذه حكمها حكم مبدأ الشورى لا تقبل التعديل ولا التبديل لأنها قواعد جاءت بها نصوص خاصة والقاعدة إن ما نُصَّ عليه لا يعدل ولا يبدل.
ومن هذه القواعد الأساسية التي توجب الشريعة اتباعها في تطبيق مبدأ الشورى وتنفيذه إن تكون الأقلية التي لم يؤخذ برأيها أول من يسارع إلى تنفيذ رأى الأغلبية، وأن تنفذه بإخلاص باعتباره الرأي الواجب الاتباع، وأن تدافع عنه كما تدافع عنه الأغلبية، وليس للأقلية إن تناقش رأيا اجتاز دور المناقشة، أو تشكك في رأى وضع موضع التنفيذ وتلك هي سنة الرسول التي سنها للناس والتي يجب على الناس اتباعها طبقا لقوله تعالى {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]
ويستدل على ذلك بما حدث في غزوة أحد من شورى، وكان رأي الأغلبية الخروج للقاء العدو خارج المدينة، وألحوا في ذلك فكان رسول الله أول من وضع رأى الأكثرية موضع التنفيذ، إذ نهض من المجلس، فدخل بيته ولبس لامته، وخرج عليهم ليقود الأقلية والأكثرية إلى لقاء العدو خارج المدينة، وقد سارع الرسول بتنفيذ رأى الأغلبية بالرغم من مخالفته لرأيه الخاص الذي أظهرت الحوادث فيما بعد أنه كان الرأي الأحق بالاتباع.
إن مهمة الشورى تقليب أوجه الرأي، واختيار اتجاه من الاتجاهات المعروضة، فإذا انتهى الأمر إلى هذا الحد، انتهى دور الشورى وجاء دور التنفيذ ... التنفيذ في عزم وحسم، ثم التوكل على الله حتى يصل الأمر بقدر الله، ويدعه لمشيئته تصوغ العواقب كما تشاء. وكما ألقى النبي - صلى الله عليه وسلم - درسه النبوي الرباني، وهو يعلم الأمة الشورى، ويعلمها إبداء الرأي، واحتمال تبعته بتنفيذه، في أخطر الشئون وأكبرها .. كذلك ألقى عليها درسه الثاني في المضى بعد الشورى، وفي التوكل على الله، وإسلام النفس لقدره - على علم بمجراه واتجاهه - فأمضى الأمر في الخروج.