إنَّه ليس أحدها أولى وأحق من غيره في أن يكون هو المعنى المراد؛ لأنَّها جميعها لا تمثل معنى اللفظ بعينه بل المعنى القريب منه، وهذا هو حال المعاني المرادفة للفظ فجميعها معان محتملة له وقربها منه واحد، لذلك وجدنا العسكري الذي جعل شاهد الوجه الثاني بمعنى التهيئة جعله الدامغاني بمعنى الكشف، وشاهد الوجه الثالث الذي جعله العسكري بمعنى الجمع، جعله الدامغاني بمعنى السوق، بل مثل هذا ما حصل في كلام العسكري فقد جعل كما تقدم شاهد الوجه الثاني بمعنى التهيئة في قوله تعالى: (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا) {الكهف: 100} إلاَّ أنَّه قال: (( ويجوز أن يكون المراد: إنَّا أظهرناها لهم ) )، وجعل العرض في الوجه الثالث بمعنى الجمع في قوله تعالى: (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا) {الكهف: 48} إلاَّ أنَّه قال: (( وقيل معناه: أنَّهم ظاهرون لله يرى أحدهم كما يرى جماعتهم، وأصل العرض الظهور على ما ذكرنا، وليس المعنى أنَّهم كانوا مستورين عن الله فظهروا له، ولكن المعنى أنَّهم ظهروا من قبورهم لأمر الله، فعبَّر عن هذا المعنى بلفظ العرض عليه لما في ذلك من التفخيم لشأن الحساب، والوقوف في مواقفه، وهو من قول الناس: عرض فلان على الأمير ) )يا سبحان الله، فالعسكري بعد أن عيَّن جعل العرض بمعنى الجمع؛ لأنَّ هذا ما يوجبه باب الوجوه أجاز أن يكون العرض بمعنى مرادف آخر، ولم يقف عند هذا الحد، بل أكَّد أنَّ هذين المرادفين غير مرادين، وأنَّه سبحانه ما أراد معنى أحدهما بل أراد معنى العرض بعينه، وعلل ذلك بقوله المذكور: (( فعبَّر عن هذا المعنى بلفظ العرض عليه لما في ذلك من التفخيم لشأن الحساب، والوقوف في مواقفه، وهو من قول الناس: عرض فلان على الأمير ) )