يجوز حمل هذه القضية على المجاز المذكور، لو كان المراد عود ضمير الجمع على الجنِّ لا على الإنسان، لأنَّنا لا نعرف الجنَّ ما هو، وما حفيفته، وكيف تكون آذانه وأصابعه، ولا نعرف تبعًا لذلك حقيقة أفعاله، أيستطيع مثلاَّ أن يدخل أصابعه في آذانه أم لا؟ لأنّه يختلف عن الإنسان ولم نشاهده ولم نعرف كيف تكون أفعاله وتصرفاته.
قالمجاز ما كان خلاف الحقيقة والواقع، فكيف يصح أن نقول بالمجاز في شيء، ونحن لا نعرف حقيقة ذلك الشيء وواقعه؟! وكيف يصح لنا أن نؤول صفات الله سبحانه، وقد قال عن نفسه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير) {الشورى: 11} ؟! فذات الله ليس كمثلها شيء، وكذلك صفاته ليس كمثلها شيء، إلاَّ أنَّ أصحاب كتب الوجوه وقعوا في هذا المحذور، فأولوا الصفات وألحقوها بالوجوه، وقد مرَّت شواهد من هذا التأويل، كتأويلهم استواء الله على العرش بمعنى الاستيلاء عليه، وتأويلهم عين الله بمعنى حفظه وعنايته، وتأويلهم يد الله بقدرته وتأييده، وهذه التأويلات ونحوها تعطيل لصفات الله سبحانه.
تبيَّن من دراسة كتب الوجوه في هذا الكتاب، وفي كتابي الأسبق الحقائق الآتية:
1 -أنَّ أصحاب كتب الوجوه غالبًا ما يعيُّنون معنى الوجه على سبيل القطع؛ لعلمهم أنَّ معنى الوجه إذا احتمل أكثر من معنى، وتعددتْ فيه الأقوال خرج من باب الوجوه، ودخل في باب التأويل والتفسير؛ وهذا ما حصل فيكاد لا تجد وجهًا قال به أصحاب كتب الوجوه إلاَّ واحتمل أكثر