وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا {93} لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا {94} وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) {مريم: 89 - 95} قال: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا) فاستعمل المجيء لأمرين: لما عَظُمَ فيه كفرهم وادعاؤهم أنَّ لله ولدًا، ولحضورهم هذا الادعاء وملازمتهم إياه، وقال: (إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) فاستعمل الإتيان للتعبير عن يسر حصول إتيانهم الله بهذين الحالين: الفردية والعبودية، مع ضرورة التنبيه على أنَّ اسم الفاعل كصيغتي المضارع، والأمر، ورد من الإتيان ولم يرد من المجيء.
وكقوله تعالى: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) {مريم: 27} قال (فَأَتَتْ بِهِ) لأنَّها كانت في مكان توارت فيه عن أنظار الناس، و (أتى) تستعمل من دون جاء لهذا الغرض، وقال (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) فاستعمل المجيء، لأنَّهم ارادوا اتهامها بشيء، عَظُمَ أمره، وتحضره وتصاحبه، بل تحمله، وقوله تعالى: (قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) {الأعراف: 129} قال ابن عاشور في تفسير هذه الآية: (( والإتيان والمجيء مترادفان، فذكر المجيء بعد الإتيان ليس لاختلاف المعنى، ولكنه للتفنن وكراهية إعادة اللفظ، والإتيان والمجيء مدلولهما واحد ) ) [1] وليس الأمر كما قال، بل لم يفطن هو ومن قبله إلى ما نوَّهت به بأنَّ القرآن الكريم استعمل من الإتيان الصيغ الثلاث: الماضي، والمضارع، والأمر، ولم يستعمل من المجيء إلاَّ صيغة الفعل الماضي، فاستعمل الماضي من المجيء من دون الإتيان في قوله تعالى: (وَمِن بَعْدِ مَا
(1) التحرير والتنوير 8/ 247.