فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 434

جِئْتَنَا) لأنَّه يفيد حصوله؛ ولأنَّ المراد حصول الأذى في غياب الإتيان؛ فيكون الإتيان بمثابة فعل غير حاصل؛ لذلك استعمل المضارع من الإتيان من دون المجيء فقال: (مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا) ولم يقل: من قبل أن تجيئنا؛ ولمثل هذا الفرق بينهما ونحوه وغيره مما تقدم ذكره لم ترد صيغة الفعل المضارع من المجيء، ومن ذلك قوله تعالى: (حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ {105} قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ {106} فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ {107} وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ) {الأعراف: 105 - 108} استعمل لفظ المجيء لا الإتيان فقال: (قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) للاهتمام بالبينة وهي معجزتاه الظاهرتان المذكورتان، وتأمَل قوله تعالى: (إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا) قال (جِئْتَ) لأنَّه تعبير عن عمل قد حصل، وللقيام به أول مرة فهو يحتاج إلى قوة في الفعل، وقال (فَأْتِ) لأنَّه عمل لم يحصل بعد؛ وللقيام به للمرة الثانية؛ لأنَّ إعادة فعل الشيء تكون أيسر وأسهل، لذلك قال: (فَأْتِ بِهَا) ولم يقل: فجئ بها، ولمثل هذا الفرق بينهما ونحوه وغيره مما تقدم لم ترد صيغة فعل الأمر من المجيء.

فأنت ترى أنَّ ثمة فرقًا بين المجيء والإتيان، وإن دقَّ وصعب التعرف إليه، على الرغم من إجماع أهل اللغة على أنَّ المجيء أقرب الألفاظ المرادفة للإتيان، بل جعله أصحاب كتب الوجوه وكثير من أهل اللغة والتفسير أحدهما يعني الآخر بعينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت