ومنه قوله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) و (المشرقين) و (المغربين) ومثله (الخافقان) في المشرق والمغرب، و (القمرين) في الشمس والقمر ... وقالوا (العُمَرَين) في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما )) [1] إلاَّ أنَّه لم تجد من أحد من أهل اللغة من زعم بمجيء عمر بمعنى أبي بكر، لإجماعهم على عدم جواز إدخال التغليب في باب الوجوه والمعاني، ويبدو أنَّهم سهوا أن يختلقوا وجه الأم ويجعلوه الوجه السادس للأب، وهو أولى من وجه الخالة، لأنَّه كثيرًا ما جاء تثنية الأب في الأب والأم كالشاهد الذي استشهد ابن هشام: (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ) وكقوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ) {الأعراف: 27} وقوله تعالى: (فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) {النساء: 11} وقوله تعالى: (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) {الكهف: 80} لكن مع ذلك لم تجد أحدًا من أهل اللغة والتفسير من زعم بمجي الأب بمعنى الأمِّ في الشواهد المذكورة؛ لأنَّهم لم يدخلوا باب التغليب في باب الوجوه والمعاني.
وقد جعلوا من أوجه الأب الوالد بعينه، كقوله تعالى: (إِذْ قَالَ لابِيهِ يَا أَبَتِ) وكان الأولى بهم أن يجعلوه بمعنى الأب بعينه؛ لأنَّ القرآن الكريم لو أراد الوالد بعينه لاستعمل لفظ الوالد وقال: إذ قال لوالده يا والدي، لأنَّ القرآن الكريم بما أنَّه استعمل الوالد والأب فلا بد من أن يكون ثمة فرق بينهما في الدلالة، وأنَّهما استعملهما كلآَ في موضعه مراعاة للفرق المعنوي بينهما فيكون جعل الأب بمعنى الوالد تحريفًا للمقصود من اللفظ القرآني، بل لم يرد لفظ الوالد في القرآن الكريم بمعنى الأب خاصة، فقد (( خص القرآن
(1) مغني اللبيب 2/ 686 - 687 وينظر: الأشباه والنظائر في النحو للسيوطي 1/ 139.