فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 434

نفسه، ولا يقال: أتى فلان نفسه، ثم كثر ذلك حتى استعمل أحد اللفظين في موضع الآخر )) [1] وهذا ما لاحظته في استعمال كل منهما في القرآن الكريم أنَّ في (جاء) معنى الحضور والمصاحبة؛ لذلك استعمل جاء في قوله تعلى: (لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء) {النور: 13} فالسياق يقتضي حضور الجائي بمن يجيء بهم من الشهداء، ومصاحبته لهم، وقوله تعالى: (وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى {8} وَهُوَ يَخْشَى {9} فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) {عبس: 8 - 10} وتتضح هذه القضية في متعلقهما فقوله تعالى: (يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ {88} إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) {الشعراء: 89} استعمل (أتى) لأنَّ المراد سلامة القلب فهو المقصود الذي يمثل سلامة الباطن والعقيدة من دون النظر إلى الفاعل الذي يراد منه الظاهر وعمل الجوارح، فسلامة المتعلق هنا الذي يعني باطن العبد كافية، لتتسع رحمة الله، ولو قال: إلاَّ من جاء الله بقلب سليم، لكان المراد باطنه وظاهره، فهذه رحمة عامة لشمولها كل أهل التوحيد، واستعمل (جاء) فيمن جاؤوا وقد حسنت علانيتهم وسريرتهم، قلبهم وجوارحهم، ظاهرهم وباطنهم، قال الله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ {31} هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ {32} مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ) {ق: 31 - 33} أي: جاء بظاهر منيب وباطن منيب، وأسمى وأخص من هذا قوله تعالى: (وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لابْرَاهِيمَ {83} إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) {الصافات: 83 - 84} لأنَّه صرَّح بالمجيء إليه (رَبَّهُ)

(1) الفروق اللغوية ص 345.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت