قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) {البقرة: 145} وقد استعمل (أتى) لأنَّه في حكم غير الحاصل بعد؛ ولأنَّ المراد معنى الإعمام؛ والاستغراق فحمله على أنَّه لا يمكن حصوله؛ ولأنَّ الإتيان بكل آية يتطلب الإتيان بها مما بعد مصدره وقرب.
2 -القوة والخفة: الفرق العام بين الإتيان والمجيء أنَّه إذا أريد التعبير عن سهولة حصول الفعل الذي قد لا يحتاج إلى جهد يُذكر استعمل (أتى) وإلاَّ استعمل (جاء) فيما ثَقُلَ وعَظُمَ شأنه، لذلك استعمل جاء من دون أتى في قوله تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) {الكهف: 71} وقوله تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا) {الكهف: 74} وقوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) {مريم: 27} لأنَّهم اتهموها بأمر ثقيل وبما عَظُمَ قُبْحُ فعله حسب ظنهم، واستعمل (أتى) من دون (جاء) فيما يناسب خفته وانتهاءه بحركة مفتوحة كاستعماله فيما يستخفُّ من شأنه كقوله تعالى: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) {طه: 69} في حين استعمل (جاء) عندما أراد تعظيم هذا السحر في قوله تعالى: (قَالَ أَلْقُوْا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) {الأعراف: 116} ولأنَّ (أتى) أخف من (جاء) حتى عُرَّف الإتيان بأنَّه مجيء بسهوله وشُبِّه بالمرور السريع، استعمله من دون (جاء) في قوله تعالى: (فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ) {النحل: 26} فاستعمل (أتى) للتعبير عن سهولة الفعل وسرعته وسرعة مروره مع عِظَم ما