يعتد على من أحسن إليه ويريه أنَّه اصطنعه وأوجب عليه حقًّا له، وكانوا يقولون إذا صنعتم صنيعة فانسوها، (وَلاَ أَذًى) هو أن يتطاول عليه بسبب ما أعطاه )) [1] وهذا من باب عطف العام على الخاص، والمعنى: لا تبطلوا صدقاتكم بأذى المنِّ ولا بأيِّ نوع آخر من أنواع الأذى.
وجعلوا الأذى في الوجه العاشر بمعنى العذاب في قوله تعالى: (( فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ) {العنكبوت: 10} وقد تقدم تعريف الأذى بأنَّه (( هو الشيء تتكرهه ) ) [2] وعرِّف العذاب بأنَّ أصله (( الضرب ... ثم استعير ذلك في كل شدة ) ) [3] وبأنَّه (( النكال والعقوبة ) ) [4] وبأنَّه (( هو الإيجاع الشديد ) ) [5] فبين االعذاب والأذى فرق بيِّن وإن ترادفا وتقاربا في المعنى، قال الطبري: (( نزلت في أناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون فإذا أوذوا وأصابهم بلاء من المشركين رجعوا إلى الكفر مخافة من يؤذيهم وجعلوا أذى الناس في الدنيا كعذاب الله ) ) [6] فالأذى أخف من العذاب وأهون؛ لذلك افتتن به المنافقون لضعف إيمانهم، فانقلبوا حين تعرضوا له على أعقابهم ورجعوا إلى كفرهم.
(1) الكشاف 1/ 306 وينظر: مدارك التنزيل ص 137.
(2) مقاييس اللغة ص 33.
(3) مقاييس اللغة ص 651.
(4) لسان العرب 10/ 73 وتاج العروس 3/ 207.
(5) المفردات للراغب ص 339 وينظر: عمدة الحفاظ 3/ 42 - 43.
(6) جامع البيان 20/ 154