أمَّا الفيروزآبادي فقد جعل الأذى بمعنى التخلف عن غزوة تبوك في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالأخِرَةِ) {الأحزاب: 57} [1] وهو الشاهد السابق نفسه الذي جعل فيه الأذى بمعنى المعصية، وهذا خلط وتداخل كبير لم ينبه عليه المحقق، وقد تقدم تفسيره وأنَّه لا علاقة له بالمتخلفين عن هذه الغزوة
وجعلوا الأذى في الوجه الثامن بمعنى شغل القلب في قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ) {الأحزاب: 53} وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) {الأحزاب: 53} وشغل القلب لا يعنى الأذى، بل هو بعض أنواعه، والمراد المعنى العام، أي: أيّ نوع من أنواع الأذى، وبهذا جاء تفسيره والمعنى: (( ما كان لكم أذاه في شيء من الأشياء ) ) [2]
وجعلوا الأذى في الوجه التاسع بمعنى المنّ في قوله تعالى: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى) والمنّ أيضًا لا يعني الأذى بل هو من أنواعه، والمراد أيّ أذى كان، أذى المنّ أم غيره، ولهذا جاء عطف أحدهما على الآخر في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {262} قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ {263} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى) {البقرة: 262 - 264} واجتماعهما معًا يدل على اختلاف دلالتيهما حتى فُرِّق بينهما في المعنى، قال الزمخشري: (((مَنًّا) هو أن
(1) بصائر ذوي التمييز 2/ 73.
(2) زاد المسير 6/ 221 وينظر: جامع البيان 22/ 47.