آخرون: بل معنى ذلك: فما أعملهم بأعمال أهل النار ... واختلفوا في تأويل (ما) فقال بعضهم: هي بمعنى الاستفهام، وكأنَّه قال: فما الذي صبَّرهم؟ ... وقال آخرون: هو تعجب، يعني: فما أشد جراءتهم على النار بعملهم أعمال أهل النار )) [1]
وابن الجوزي نفسه الذي عيَّن في النزهة والمنتخب جعل الصبر بمعنى الجرأة في قوله تعالى: (فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) قال في تفسيره: (( قوله تعالى:(فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) فيه أربعة أقوال، أحدها: أنَّ معناه: فما أصبرهم على عمل يؤدِّيهم إلى النار ... والثاني: ما أجرأهم على النار ... والثالث: ما أبقاهم في النار ... والرابع: أنَّ المعنى: فأيُّ شيء صبَّرهم على النار ... وفي (ما) قولان، أحدهما: أنَّها للاستفهام، تقديرها: ما الذي صبَّرهم؟ ... والثاني: أنَّها للتعجب ... والله يُعجِّب المخلوقين، ولا يعجب هو كعجبهم )) [2]
فابن الجوزي الذي قال بوجه الجرأة بتعيينه والقطع به في باب الوجوه أبطله في باب التفسير عندما جعله معنى محتمَلًا ومختلَفًا فيه.
وجعلوا الصبر في الوجه الثالث بمعنى الإصرار في قوله تعالى: (أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ) مما يدلُّ على اختلاق هذا الوجه أني وجدتُ المفسرين لم يُعنَوا بتفسير الصبر في هذا الموضع، بل أبقوه على معناه، وإذا أرادوا تفسيره فسروه بما شاء مما يلازم الصبر معناه، فقد فسر الزمخشري قوله تعالى: (وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ) بقوله: (( واصبروا على عبادتها
(1) جامع البيان 109 - 110.
(2) زاد المسير 1/ 153.