والسمع في هذه الآيات أريد به السمع بعينه، وبهذه الدلالة فسَّره أهل التفسير، قال ابن الجوزي في تفسير الشاهد الأول: (( قوله تعالى:(خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ) الختم: الطبع، والقلب قطعة من دم جامدة سوداء، وهو مستكنٌّ في الفؤاد، وهو بيت النفس، ومسكن العقل، وسُمِّي قلبًا لتقلبه، وقيل: لأنَّه خالص البدن ... وقوله تعالى: (وَعَلَى سَمْعِهِمْ) يريد: على أسماعهم، فذكره بلفظ التوحيد، ومعناه الجمع، فاكتفى بالواحد عن الجميع )) [1]
وقال ابن عاشور: (( وفي تقديم السمع على البصر في مواقعه من القرآن دليل على أنَّه أفضل لصاحبه من البصر، فإنَّ التقديم مؤذن بأهمية المقدَّم؛ وذلك لأنَّ السمع آلة لتلقي المعارف التي بها كمال العقل، وهو وسيلة بلوغ دعوة الأنبياء إلى أفهام الأمم على وجه أكمل من بلوغها بواسطة البصر لو فقد السمع؛ ولأنَّ السمع ترد إليه الأصوات المسموعة من الجهات الست بدون توجه، بخلاف البصر فإنَّه يحتاج إلى التوجه بالالتفات إلى الجهات غير المقابلة ) ) [2]
فجعل السمع بمعنى القلب يعطِّل تفسير كل منهما، ويحدث الخلط بين دلالتيهما، ولو أراد معنى القلب لجاء بلفظه، وهذا ما هو حاصل في المعطوف، وكيف تسنَّى لوجوهي أن يجعل السمع بمعنى القلب في قوله تعالى: (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) لأنَّ القرآن أراد أن يقرن السمع والبصر في حكم واحد، وجاز وحدة الحكم فيهما؛ لجواز أن يقال:
(1) زاد المسير 1/ 24.
(2) التحرير والتنوير 1/ 254.