فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 434

وهناك تداخل لم ينبه عليه المحقق بين الوجه الثاني والوجه الثالث، فقد جعل أحدهما بمعنى الآخر واستشهد بالشاهد نفسه في الوجهين، فالتلقين الذي فسَّر به وجه التثبت في الوجه الثاني، جعله الوجه الثالث والشاهد واحد، والتلقين ليس وجهًا للثبات، وإنَّما هو واحد من مسبباته، أي: أنَّ الثبات يحصل بالتلقين وغيره، والدليل على ذلك، قوله تعالى: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) فإذا أمكن فهم حصول تثبيت الله للمؤمنين بالتلقين في قبورهم، فكيف يمكن فهم ذلك في الحياة الدنيا؟! لذلك فسَّر الطبري هذه التثبيت بقوله: (( والصواب من القول في ذلك ما ثبت به الخبر عن رسول الله في ذلك، وهو أنَّ معناه: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وذلك تثبيته إياهم في الحياة الدنيا بالإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الآخرة بمثل الذي ثبتهم به في الحياة الدنيا، وذلك في قبورهم حين يسألون عن الذي هم عليه من التوحيد والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم ) ) [1] فهناك إذن تثبيت من غير تلقين، وهو التوفيق.

وكذلك جعله الثبات في الوجه الأول بمعنى البشارة في قوله تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) والبشارة أيضًا ليست وجهًا للثبات، وإنَّما هي واحدة من مسبباتها، أي: أنَّ الثبات يحصل بالبشارة وغيرها كالنصر كما صرَّح بذلك، وفي ذلك قال الطبري: (((فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) يقول: قووا عزمهم، وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين، وقد قيل: إنَّ تثبيت الملائكة المؤمنين كان حضورهم حربهم

(1) جامع البيان 13/ 258.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت