الفصل السادس
الغزو الثقافي ومخاطره على الهوية القومية
في ثقافة الأطفال
يتناول هذا البحث بإيجاز المفاهيم المتصلة بالغزو الثقافي في صلتها بالمخاطر المحدقة على الهوية القومية في أدب الأطفال، إذ يتلقى غالبًا الطفل العربي منتجات ثقافية وافدة من المركز الغربي، الأوربي ـ الأمريكي، فتقدم إليه، كما هي، أو معدة أو مقتبسة في حالات قليلة، ثم يعرض لجذور الغزو الثقافي ومجالاته، ويختتم بإشارة إلى مقاومته.
1 ـ المفاهيم المتصلة بالغزو الثقافي:
هدف الغزو، وكان عسكريًا بالدرجة الأولى، إلى احتلال الأرض. أما الغزو الثقافي فيهدف إلى احتلال العقل، فهو أخطر من الغزو العسكري، وعلامة ذلك أن الغزو العسكري يستمد قوته من آليات الإخضاع الخارجي، بينما ييسِّر الغزو الثقافي آليات الإخضاع الداخلي، مما يبدو وكأنه تعمية للحال، أو تجميل له، فيقبل الإخضاع على أنه شيء آخر غير الإخضاع، لالتباسه بمفاهيم كتيرة تتصل بعمليات التكون الذاتي، كالنمو والاستقلالية والأصالة والصلابة والسلطة والمناعة والوعي .. الخ. وما يرال أمر الغزو الثقافي، استتباعًا لذلك، محيرًا لدى الكثيرين، إذ لا ترى فئة من الناس أنه غزو، فتختآر له تسميات أخرى، وتهون فئة أخرى من شأنه على أن الحديث عنه وعن مخاطره ألعوبة أو وهم، بل إن فئة ثالثة تدعو له سبيلًا للمثاقفة، وهؤلاء يهونون أيضًا من أمر المثاقفة، فلا يجدون فيها تأثير ثقافة غازية قاهرة في ثقافة مغزوة مقهورة، وإنما يعدون المثاقفة تلاقحًا معرفيًا وحضاريًا يعزز التواصل بين «تراثات» الإنسانية، ويغنيها، ويوردون حججًا لا نهاية لها عن العلاقات الثقافية بين الشعوب واستكمال شروط النهضة أو التقدم، وهل علينا أن نذكر الخلاف القائم حول الحملة الفرنسية على مصر: هل كانت نعمة أم نقمة؟ وثمة كثيرون مازالوا يتباكون على خروج المستعمر من جلودهم بعد، وكنت قرأت نصًا لأحدهم يصف تجربته في المعتقلات الصهيونية في فلسطين المحتلة، يعجب فيه من ديمقراطية العدو الإسرائيلي وتقدمه، مؤكدًا أن السيء هو إجراء ات الاعتقال والتعذيب .. الخ. أما العلامة العربي الكبير ابن خلدون، فكان يعني الغزو الثقافي في قوله شديد الدلالة: «إنما تبدأ الأمم بالهزيمة من داخلها عندما تشرع في تقليد عدوها» . كان الغزو العسكري يستهدف احتلال الأرض فهو غزو من الخارج من أجل الهيمنة السياسية التي تصل إلى حدّ إلحاق المستعمر (بفتح الميم) يالمستعمر (بكسر الميم) .