إذا كانت الحاجة للتنمية الثقافية العربية ضرورة ضاغطة وملحة، فإن تنمية ثقافة الطفل العربي أكثر ضغطًا وإلحاحًا، ففي عمليات إنتاجها وإعادة إنتاجها تظهر سطوة الاتصالات الجبارة المهيمنة، وامتدادها إلى المعلوماتية التي ضاعفت تأثيرها سلبًا، فليس هذا التأثير كله مستحبًا ونافعًا، وما لم يرشّد استخدامهما معًا، أقصد الاتصالات والمعلوماتية، فإن علائم الخطر كامنة وقابلة للظهور صاعقة ومدمرة للتكوين الإنساني النبيل، وتنطلق أبحاث هذا الكتاب ومقالاته من هذه الروحية الصلبة التي تؤمن بمكانة ثقافة الأطفال المتنامية على مشارف الألفية الثالثة، ومن الإقرار بالنهوض الذي شهده ربع القرن الأخير في الكتابة للطفل العربي، فثمة وفرة في مخاطبته عبر وسائط ثقافية كانت غائبة أو مهملة قبل ذلك، كما هو الحال في انتشار مجلات الطفل وصحفه، وتخصيصه بقنوات اتصال يومية عبر القنوات الأرضية والفضائية، بل إنه ثمة قنوات اتصالية خاصة به، وفي غالبية قنوات البث الإذاعي المسموع، وفي نشر ثقافته الكترونيًا عبر تقانة المعلومات المتطورة، كالإنترنت والكتاب الإلكتروني والثقافة الرقمية على وجه العموم، على أن نهوض ثقافة الأطفال يتبدى جليًا في ارتفاع الوعي بقضية ثقافة الأطفال بفنونها ووسائطها، نظريًا وتطبيقيًا.
بيد أن هذا الإقرار بالنهوض الواضح لثقافة الطفل العربي، يدعونا إلى أهمية تطويره ومواجهة العقبات التي تحول دون انتشاره من أجل الحد من تفاقم مشكلاته القومية والتربوية والفنية والاتصالية، فتسعى هذه الأبحاث والمقالات، وما وسعتها المحاولة إلى ترشيد تجربة ثقافة الطفل العربي على مشارف الألفية الثالثة وتأصيلها في الثقافة العربية الحديثة، في آفاقها المختلفة.