أجل، كأن التراث قصد بحد ذاته، ولكنه قصد بالقدر الذي يجسّد الحقيقة القومية الخالدة، حقيقة العروبة التي ينبغي أن يؤمن بها الأطفال، مثلما آمن بها العيسى ووهبها عمره، وصارت قضيته وقضية كل العرب، شعراء وأبطالًا، رجالًا ونساء، صغارًا وكبارًا، الذين استلهم مواقفهم مؤمنين يجسّدون إيمانهم في حياتهم كلها.
ينظر العيسى إلى التراث نظرة انتقائية، فالتراث عنده هو الوجه المضيء من حياة الأمة العربية في كلّ عصورها، مع الاحتفاظ بأهمية خاصة للعصر الإسلامي الأول، فلم يعرف عنه استلهامًا لتراث العصور القديمة، أو العصر الإسلامي المتأخر عندما تناهبت الدولة العربية العناصر الغريبة والأجنبية بعد القرن الخامس الهجري صراحة.
التراث عند العيسى هو المثل الأعلى للعربي، وهو ما يعين على تحقيق الوجود الذي كان، وسيكون. لقد كان العيسى واضحًا منذ أقبل على استلهام التراث، الأبرز والأمثل، وإذا شاب الأبرز والأمثل بعض شائبة، فإنه ينقّيه ليضيء وينفع في بناء الذات، إذن، هي انتقائية تربوية تعيد التراث المضيء والنافع، وتستعيده فتخلّصه مما يجانب المضيء والنافع في نقل أو شرح تفسير أو عادة كتابة.
ينقل العيسى التراث إذا كان صالحًا مؤديًا قصده، أو يشرحه، أو يفسره، أو يعيد كتابته، ليكون صالحًا مؤديًا، قصده. وهكذا تعامل العيسى مع الأوجه والنقاط والأسماء والمراحل المضيئة، ولم يقدم على معالجة سوى ذلك؛ وهذا ما يصبُّ في مأثرة الفعالية العربية الناهضة، ويكامل التأثير في الحياة القومية.
ونستطيع أن نرتب اختيار التراث عند العيسى وفق ما يلي:
1 -... الشخصيات الكبيرة والفاعلة في زمنها، ولاسيما الأدبية، مثل الشعراء والموسيقيين والقادة.
2 -... المواقف العربية الساطعة في موقعة أو حادثة، كما هو الحال في «بطولات عربية» .
3 -... الآثار والمدن الشاخصة فيما تحكيه أو تشير إليه من نوائب وإنجازات.