فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 328

يستنكر بعض المثقفين العرب مجرد الحديث عن الغزو الثقافي، ويوردون حججًا على أن ما يُسمى بالغزو الثقافي هو تفاعل ثقافي مطلوب، وينبغي ألا ننعزل عن الثقافة العالمية، ولعلنا نفرّق في هذا المجال بين أمرين، الأول هو التفاعل الثقافي، وهو مطلوب حقًا، وهو ضمانة للتواصل الحضاري وتعضيد للتراث الإنساني، والثاني هو المثاقفة التي تعني هيمنة ثقافة أقوى على أخرى أضعف، فتعمد إلى التشويه وتهوين الخصائص الثقافية والتقليل من شأن الهوية، إدراجًا للثقافة المقهورة في دائرة التبيعية التي بلغت ذراها في «العولمة» .

ونذكر من مظاهر التشويه إشاعة الحديث عن الافتقار إلى المجتمعية العربية، فتتعالى أصوات ناشزة عن فقدان المجتمع لحقوق الإنسان والدمقرطة والعلمنة والعقلانية والقانون والدولة مما يتسم به المجتمع الحديث، وإشاعة الحديث عن هشاشة الشخصية العربية الغارقة في التخلف والغيبيات والطائفية والعشائرية .. إلخ، وهذا في جوهره تشكيك بالأهداف الحضارية للثقافة العربية .. إلخ، بينما لا تعدو أن تكون هذه المظاهر ملازمة لكل مجتمع نام، بل إن أصالة الثقافة العربية سند مكين لرؤية عربية متجددة تدعم أبحاث وعي الذات، وتعزز الشخصية العربية.

وغالبًا ما تتجه المنتجات الأدبية الموجهة إلى الطفل العربي إلى تكريس النزعات الطائفية والقطرية والفئوية والانعزالية، وتتغافل عن الهوية القومية، ولاسيما التراث العربي والمنظومة القيمية التقليدية بالتطلع المباشر إلى نمط غربي يساهم في اغتراب الطفل عن واقعه وانتمائه القومي وخصائصه الثقافية.

4 ـ إشارة إلى مواجهة الغزو الثقافي:

يجري الحديث دائمًا عن مقاومة الغزو الثقافي الموجه للطفل العربي ودرء مخاطره على الهوية القومية، ويورد المعنيون أفكارًا جزئية عن تحصين الناشئة ووظائف التربية الثقافية التي ينبغي العناية بها، غير أن مثل هذه المقاومة، بتقديري، مرتهنة بعمل عربي شامل، سياسي وثقافي يولي التكامل القومي مكانته اللائقة في بناء الإنسان على مختلف الجبهات الاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية، اندماجًا عربيًا لسيرورة ذاتية مبدعة ومنتجة، لأن «العولمة» التي هي أخطر مظاهر الغزو الثقافي على مشارف الألفية الثالثة لا تواجه برفضها أو نبذها، بل بالاندراج فيها والإسهام في صناعتها وإنتاجها بأصالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت