كانت المعضلة أن جمهور الأطفال يريد ثقافة مسلية، بينما وجهت ثقافة الأطفال لتنتقل القيم الأخلاقية والدينية، ولدى العودة التاريخية وإلى جذور الخطاب الثقافي للأطفال نلاحظ أنها انطلقت من فكرة تبسيط الكتب الجيدة المنشورة للراشدين أو تعديلها لكي تناسب الأطفال، فتداخل المفهوم الملتبس لأدب الأطفال مع الحاجة إلى التسلية من جهة، وفيض الحكايات الشعبية وموروث اللعب والحركة والأغاني التراثية مثل أغاني ترقيص الأطفال من جهة أخرى [1] .
كان التنازع بين التسلية والتوظيف الجدي المباشر لثقافة الأطفال انعطافة هامة في تطور ثقافة الأطفال، ثم تلتها انعطافة أخرى مع اكتشاف الطفل كمتلق، وكجمهور خاص، مما سيطبع نظرية أدب الأطفال بخصائص علم نفس الطفولة وما يتصل بها.
وقد أدى ذلك إلى اكتشاف حقوق الطفل من مجرد التعديل أو التبسيط إلى إنتاج خطابه الثقافي الخاص استنادًا إلى حق الطفل بالخيال، وحق الطفل بالتذوق، وحق الطفل بالأدب والفن، أي حق الطفل في أن يكون موضوع ثقافته، وحقه في إبداع أدب وفن خاصين به. ثم كانت هناك انعطافة أخرى حين غدا تطور ثقافة الأطفال تطورًا حضاريًا يتأثر بالتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية للشعب والمجتمع. وجرى الإقرار بأن الحالة السياسية لبلد من البلدان هي التي تحدد حالته الثقافية، ومنها حالة ثقافة الأطفال فيه. وقد كشف الإقبال العربي على ثقافة الأطفال في العقدين الأخيرين أنها ما تزال تحتاج إلى العون على الرغم من جذورها القوية الممتدة في التراث العربي، وعلى الرغم من الوعي المبكر لأهميتها الثقافية، فقد روى ابن رشيق عن الزبير بن بكار الحديث التالي:
(1) انظر عرضًا تاريخيًا شاملًا لتطور أدب الأطفال العالمي مقاربًا في: أدب الطفولة والشباب (ترجمة د. نجيب الغزاوي) منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1988 م.