اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة، والحلفان الآثمة، ليصدقوا فيما يقولون، فاغتر بهم من لا يعرف جلية الأمر، فاعتقدوا أنهم مسلمون، فربما اقتدى بهم فيما يفعلون، وصدقهم فيما يقولون، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالا، فحصل بهذا الغرر ضرر كبير على كثير من الناس، ولهذا قال تعالى:
فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بتظاهرهم بالإسلام، وإبطانهم غيره، فجروا كثيرا من الناس وراءهم في الطرق المظلمة، ولا يظهر هذا في عصر كما يظهر في عصرنا، إذ نجد الملايين من المسلمين تترك سبيل الله وتسير وراء المنافقين الذي يحلفون أنهم مسلمون، وهم في واقع الأمر كفار، يريدون أن يحملوا الناس على ما هو كفر، وجماهير المسلمين غافلة، حتى أضحت حقائق الإسلام غريبة، وأصبح الكفر وأفكاره ومبادئه وما يقدم عليه كأنه مسلمات أَيْمانَهُمْ أي: المنافقين ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ في نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله
ذلِكَ قال النسفي: إشارة إلى قوله: ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي: هذا هو الحكم على عملهم كله بالسوء، أي: ذلك القول هو الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا، أو أن ذلك إشارة إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والتستر بالأيمان بِأَنَّهُمْ أي: بسبب أنهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا أي: دخلوا في الإسلام بالنطق بالشهادتين، ثم كفرت قلوبهم بعد ذلك، فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ أي: فختم عليها حتى لا يدخلها الإيمان جزاء على نفاقهم، فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ أي: لا يتدبرون، قال ابن كثير: أي: فلا يصل إلى قلوبهم هدى، ولا يخلص إليها خير فلا تعي ولا تهتدي، وسبب ذلك كله هو رجوعهم عن الإيمان إلى الكفر عقوبة لهم. قال ابن كثير: (أي: إنما قدر عليهم النفاق لرجوعهم عن الإيمان إلى الكفران واستبدالهم الضلالة بالهدى) .
كلمة في السياق:
عرفنا الله عزّ وجل في الفقرة السابقة على مظهر من مظاهر الطبيعة المنافقة، وعلى حقيقة بواطنها، وعلى الخطر الذي يهب منها على الصف الإسلامي، وعلى الدعوة إلى الله، وعلى العقوبة التي يعاقبهم الله عزّ وجل بها، وهي الطبع على قلوبهم، فلنر صلة الفقرة بمحور السورة فلننتبه جيدا: