(اتخذوا أيمانهم جنة) . . وهي توحي بأنهم كانوا يحلفون الأيمان كلما انكشف أمرهم , أو عرف عنهم كيد أو تدبير , أو نقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين . كانوا يحلفون ليتقوا ما يترتب على افتضاح أمر من أمورهم , فيجعلون أيمانهم وقاية وجنة يحتمون وراءها , ليواصلوا كيدهم ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم . (فصدوا عن سبيل الله) . . صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم مستعينين بتلك الأيمان الكاذبة: (إنهم ساء ما كانوا يعملون) . . وهل أسوأ من الكذب للخداع والتضليل ! ?
ويعلل حالهم هذه من شهادة مدخولة كاذبة , وأيمان مكذوبة خادعة , وصد عن سبيل الله وسوء عمل . . يعلله بأنهم كفروا بعد الإيمان , واختاروا الكفر بعد أن عرفوا الإسلام:
(ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم , فهم لا يفقهون) . .
فهم عرفوا الإيمان إذن , ولكنهم اختاروا العودة إلى الكفر . وما يعرف الإيمان ثم يعود إلى الكفر قلب فيه فقه , أو تذوق , أو حياة . وإلا فمن ذا الذي يذوق ويعرف , ويطلع على التصور الإيماني للوجود , وعلى التذوق الإيماني للحياة , ويتنفس في جو الإيمان الذكي , ويحيا في نور الإيمان الوضيء , ويتفيأ ظلال الإيمان الندية . . ثم يعود إلى الكفر الكالح الميت الخاوي المجدب الكنود ? من ذا الذي يصنع هذا إلا المطموس الكنود الحقود , الذي لا يفقه ولا يحس ولا يشعر بهذا الفارق البعيد ! (فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) . .
ثم يرسم لهم السياق صورة فريدة مبدعة ; تثير السخرية والهزء والزراية بهذا الصنف الممسوخ المطموس من الناس , وتسمهم بالفراغ والخواء والانطماس والجبن والفزع والحقد والكنود . بل تنصبهم تمثالا وهدفا للسخرية في معرض الوجود:
(وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم . وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة . يحسبون كل صيحة عليهم . هم العدو فاحذرهم . قاتلهم الله ! أنى يؤفكون ?) . .