واحتج (مالك والشافعي) بأن الحدود موقوفة على الشاعر وليس فيها مجال للاجتهاد ، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم شيء في التخفيف أو التثقيل فتكون الحدود سواء .
واحتج (الثوري) بأن الزنى لمّا كان أكثر في العدد ، فلا بد أن يكون الجُرم فيه أعظم ، والعقوبة أبلغ ، بخلاف القذف والخمر .
ومذهب الثوري على ما عرفت قريب من مذهب الأحناف .
وقد انتصر (الجصاص) رحمه الله للمذهب الأول فقال ما نصه:
قد دلَّ قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله} على شدة ضرب الزاني ، وأنه أشد من ضرب الشارب والقاذف لدلالة الآية على شدة الضرب فيه ولأن ضرب الشارب كان من النبي صلى الله عليه وسلم بالجريد والنعال ، وضربُ الزاني إنما يكون بالسوط وهذا يوجب أن يكون ضرب الزاني أشد من ضرب الشارب . وإنما جعلوا ضرب (القاذف) أخف الضرب لأن القاذف جائزٌ أن يكون صادقاً في قذفه وأنّ له شهوداً على ذلك ، والشهودُ مندوبون إلى الستر على الزاني وإنما وجب عليه الحد لقعود الشهود عن الشهادة وذلك يوجب تخفيف الضرب .
ومن جهة أخرى: فإنَّ القاذف قد غلظت عليه العقوبة في إبطال شهادته فغير جائز التغليظ عليه من جهة شدة الضرب .
وينبغي أن نعلم ان الحدود موقوفة على تقدير الشارع ، فلا تجوز الزيادة فهيا ولا النقصان إلا إذا كان على وجه التعزير ، فللحاكم أن يشدِّد في العقوبة .
قال العلامة القرطبي: