وقال ابن قدامة في المغني محتجاً للوجه الذي ذكرنا عن الحنابلة: أنه لا حد على الثاني: ما نصه: والثاني يكون قذفاً للمخاطب خاصة لأن لفظه افعل قد تستعمل للمنفرد بالفعل ، كقول الله تعالى: {أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يهدي إِلاَّ أَن يهدى} [يونس: 35] وقال تعالى: {فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن} [الأنعام: 81] وقال لوط: {بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: 78] أي من أدبار الرجال ، ولا طهارة فيها لا ينبغي التعويل عليه كما أنه هو ساقه ، ولم يعول عليه.
وحاصل الاحتجاج المذكور: أن صيغة التغضيل قد ترد مراداً بها مطلق الوصف ، لا حصول التفضيل بين شيئين ، ومثل هو بكلمة: أحق أن يتبع وكلمة: أحق بالأمن ، وكلمة: أطهر لكم ، لأن صيغة التفضيل في الآيات المذكورة لمطلق الوصف لا للتفضيل.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يخفى أن صيغة التفضيل قد ترد لمطلق الوصف كما هو معلوم ، ومن أمثلته الآيات التي ذكرها صاحب المغني ، ولكنها لا تحمل على غير التفضيل ، إلا بدليل خارج يقتضي ذلك والآيات التي ذكر معلوم أنها لا يمكن أن تكون للتفضيل ، لأن الأصنام لا نصيب لها من أحقِّيِّة الاتباع أصلاً في قوله: {أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يهدي} [يونس: 35] ولأن الكفار لا نصيب لهم في الأحقية بالأمن ، ولأن أدبار الرجال لا نصيب لها في الطهارة.
ومن أمثلة ورود صيغة التفضيل لمطلق الوصف أيضاً قوله تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27] أي هين سهل عليه ، وقول الشنفري:
وإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن... بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل
أي لم أكن بالعجل منهم وقول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا... بيتاً دعائمه أعز وأطول
أي عزيزة طويلة. وقول معن بن أوس:
لعمرك ما أدري وإني لأوْجَل... على أيِّنا تعدو المنيَّة أول
أي لوجل. وقول الأحوص بن محمد الأنصاري: