وقال القرطبي: قال العلماء: قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} أبلغ من أن يقول: ولا تزنوا، فإن معناه لا تدنوا من الزنى.
فالقرب المنهي عنه هو أقل الملابسة، وهو كناية عن شدة النهي عن ملابسة الزنا، وقريب من هذا المعنى قولهم: ما كاد يفعل.
فرب العزة سبحانه وتعالى يحذرنا من المقاربة لهذه الجريمة، فالزنى مئنة لإضاعة الأنساب ومَظنّةٌ للتقاتل والتهارج فكان جديرًا بتغليظ التحريم قصدًا وتوسلًا.
قال السعدي: والنهي عن قربان الزنا أبلغ من النهي عن مجرد فعله لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن:"من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه".
وهذه بعض الضروب والوجوه مما ورد في الكتاب والسنة من سد الذرائع الموصلة إلى فاحشة الزنا:
1 -شهود طائفة من المؤمنين للحدود وهي تقام:
فلا شك أن جانب الترهيب عليه عامل كبير في إصلاح النفس البشرية وفي إقامة الحد على المذنب، يجعل الآخرين ممن يريدون اقتراف نفس ما اقترف هذا المذنب لا يفكر في أن يفعل مثل ما فعل، وعندما يشهد إقامة الحد عليه، فهو رادع وزاجر في أن يفعل مثل ما فعل (1) ، لذلك صار إقامة الحدود وشهود طائفة من المؤمنين لإقامة الحدود لهو من الموانع القوية في اقتراف فاحشة الزنا.
2 -الأمر بغض الأبصار:
وهو للرجال والنساء على السواء، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} (النور 31: 30) .
قال ابن كثير: ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف:"النظر سهام سم إلى القلب"؛ ولذلك أمر اللَّه بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك.
فلما كان النظر بريد الزنى ورائد الفجور، والبلوى فيه أشدّ وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه، كان الأمر بحفظ الفروج عقب الأمر بالغض من الأبصار لأن النظر رائد الزنى، وثمرة حفظ الفرج لا تكون إلا بغض البصر.