ألفيت كل تميمة لا تنفع...
وهذه الظرفية شبيهة بالإضافة البيانية مثل قوله تعالى: {أُحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة: 1] وقوله: {أكفاركم خير} [القمر: 43] فإن الكفار هم عين ضمير الجماعة المخاطبين وهم المشركون.
فقوله: {وأنزلنا فيها} هو: بمعنى وأنزلناها آيات بينات.
ووصف {آيات} بـ {بينات} أي واضحات ، مجاز عقلي لأن البيّن هو معانيها ، وأعيد فعل الإنزال مع إغناء حرف العطف عنه لإظهار مزيد العناية بها.
والوجه أن جملة {لعلكم تذكرون} مرتبطة بجملة: {أنزلنا فيها آيات بينات} لأن الآيات بهذا المعنى مظنة التذكر ، أي دلائل مظنة لحصول تذكركم.
فحصل بهذا الرجاء وصف آخر للسورة هو أنها مبعث تذكر وعظة.
والتذكر: خطور ما كان منسياً بالذهن وهو هنا مستعار لاكتساب العلم من أدلته اليقينية بجعله كالعلم الحاصل من قبل فنسيه الذهن ، أي العلم الذي شأنه أن يكون معلوماً ، فشبه جهله بالنسيان وشبه علمه بالتذكر.
وقرأ الجمهور: {تذَّكرون} بتشديد الذال وأصله تتذكرون فأدغم.
وقرأه حمزة والكسائي وحفص وخلف {تذَكرون} بتخفيف الذال فحذفت إحدى التائين اختصاراً.
{الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ} .
ابتداء كلام وهو كالعنوان والترجمة في التبويب فلذلك أتي بعده بالفاء المؤذنة بأن ما بعدها في قوة الجواب وأن ما قبلها في قوة الشرط.
فالتقدير: الزانية والزاني مما أنزلت له هذه السورة وفرضت.
ولما كان هذا يستدعي استشراف السامع كان الكلام في قوة: إن أردتم حكمهما فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة.
وهكذا شأن هذه الفاء كلما جاءت بعد ما هو في صورة المبتدأ فإنما يكون ذلك المبتدأ في معنى ما للسامع رغبة في استعلام حاله كقول الشاعر ، وهو من شواهد"كتاب سيبويه"التي لم يعرف قائلها:
وقائلة: خولانُ فانكح فتاتهم
وأُكرومة الحيين خِلو كما هِيا...