وهذا الحديث - إن صح - وقد صححه رجال الحديث ، يكون أشبه بالناسخ لآية « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي » ولآية: « الشيخ والشيخة » .. صارفا النظر عنهما إلى الأخذ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ لا معنى للقول: « خذوا عنى خذوا عنى » إلا صرف النظر عن كلّ ما جاء فِي القرآن عن هذا الأمر ، والأخذ بهذا الذي يقال .. وحاش لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن ينطق بهذا ، وأن يتحدّى كلام اللّه الذي نزل عليه وبلّغه ، فقد أخذ عنه المسلمون من قبل قوله تعالى: « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ » !
وثالثا: سورة النور كلها محكمة ، وقد نوّه اللّه سبحانه وتعالى بها بقوله:
« سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .. »
فهي نور من نور ، وكل ما فيها بيّن جلّى ، وكلّ ما فيها مفروض لا نقض فيه ..
وإذن فتغريب المجلود ، والمجلودة ، عاما ، هو حكم زائد على ما نصّ عليه الحكم الصريح البين فِي الآية .. وهذا يناقض ما جاء فِي مطلع السورة من أنها سورة فرضها اللّه وأنزل فيها آيات بينات ، واختصاصها بهذه الأوصاف - مع أن كل القرآن على هذه الصفة - مزيد عناية بها ، وتأكيد بأنه لا يدخلها نسخ ، إن كان هناك نسخ.
وقد ذهب كثير من الأئمة والفقهاءإلى القول بأن لا تغريب مع الجلد ..
ويروى عن الإمام عليّ كرم اللّه وجهه أنه كان يقول: « كفى بالتغريب فتنة » .
(1) بغض النظر عن صحة الحديث من عدمها ، فلا يخفى ما فِي بعض هذا الكلام من بعد ، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبلغ عن الله لا ينطق عن الهوى كما أخبر القرآن ، فلا يصح أن يقال: إن فِي هذا تحديا للقرآن ، والسنة تخصص القرآن ، كما قال العلماء المحققون. والله أعلم.