وفى تصدير الحكم بالجملة الاسمية ، تقديم للمسند إليه - المبتدأ - وكشف عنه قبل الكشف عن الحكم الذي سيسند إليه .. إذ ليس المقصود أولا هو إقامة الحدّ على الزانية والزاني ، وإنما المراد هو التعرف على من يحمل هذا المرض الخبيث فِي كيانه .. ثم يأتى بعد ذلك ما يتخذ لوقايته ، ووقاية المجتمع منه ..
فقوله تعالى: « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي » يلفت السامع إلى أن حكما ما سيقع عليهما ، أو قولا سيقال فيهما .. وهنا تصغى الأسماع ، وتتطلع النفوس إلى هذا الحكم ..
وإذ يتوقع المستمعون أن هذا الحكم سيكون وعيدا من اللّه ، أو وصفا دامغا للزانية والزاني - يجيء الأمر على غير ما ينتظرون ، وإذا هم أنفسهم ، هم المطالبون بالكشف عن هذا الداء ، ثم هم مطالبون أيضا بأخذهم بهذا الدّواء الذي وضعه اللّه فِي أيديهم ، وإنفاذ أمره فيهم .. وهذا كله من شأنه أن يجعل المسلمين جميعا حربا على هذا الداء ، وأساة لمن يصابون به ..
ففى قوله تعالى: « فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ » .
أولا: عزل للمؤمنين ، عن جماعة الزّناة ، الذين تحقق المجتمع من هذا الداء الذي نزل بهم ..
وثانيا: إلزام للمؤمنين ألا يقفوا موقفا سلبيا من هذا الداء الذي يتهددهم إن هم تغاضوا عنه ، ولم يأخذوا ولأنفسهم وقاية منه.
وبهذا يكون معنى الآية:
الزانية والزاني ، ها هما قد أصيبا بهذا الداء الخبيث ، وإنه لكى تدفعوا عن أنفسكم شر هذا الداء ، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، ولا تأخذكم بهما رأفة فِي دين اللّه إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر ، إذ لستم أنتم أرأف بالناس من رب الناس ..