رجلا مرّ على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في طريق من طرقات المدينة ، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه ، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به ، فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط ، وهو ينظر إليها ، إذا استقبله الحائط ، فشقّ أنفه ، فقال: واللّه لا أغسل الدم حتى آتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأخبره أمري ، فأتاه ، فقصّ عليه قصته ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «هذا عقوبة ذنبك» وأنزل اللّه تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ إلخ.
يأمر اللّه نبيه أن يحث المؤمنين على أن يغضوا أبصارهم عمّا لا يحل ، ويحفظوا فروجهم عن المحرمات ، ويبيّن لهم أن ذلك أطهر لأخلاقهم ، وأبعد بهم عن مظان الريبة وسوء السمعة.
والفعل المضارع يَغُضُّوا مجزوم في جواب قُلْ ومفعول القول محذوف ، والتقدير: قل للمؤمنين غضوا أبصاركم يغضوها. وكذلك التقدير في وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ وفي هذا إشارة إلى أنّ شأن المؤمنين أن يسارعوا إلى امتثال الأوامر ، حتى كأنّهم لفرط مطاوعتهم لا ينفك فعلهم عن أمره عليه الصلاة والسلام.
وغضّ البصر إطباق الجفن على الجفن ، أو هو خفض الجفن الأعلى وإرخاؤه ، ومن الثاني قول كعب بن زهير:
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا إلا أغنّ غضيض الطرف مكحول
فليس يريد أنها مغمضة عينها مطبقة أجفانها ، بل إنها خافضة الطرف من الحياء والخفر.
وكلمة مِنْ قيل: إنها صلة على مذهب الأخفش «1» ، والراجح أنها أصلية ، وهي على ذلك تحتمل معاني أظهرها أنّها للتبعيض ، أي يغضوا بعض أبصارهم ، وهو كناية عن غض بصرهم عن بعض المبصرات ، وهي التي لا تحلّ ، أو يغضوا بعض أبصارهم عند النظر إلى المحرمات ، فلا يحملقوا بأعينهم في محرّم ، ويكون المعنى على هذا الوجه على إرادة توبيخ من يكثر التأمّل في المحرم ، كما تقول لمن عهدت أنه يأتي نوعا من المنكر ، ورأيته يسترسل فيه: بعض هذا يا فلان. فأنت لا تريد منه أن يقتصر على بعض هذا المنكر ، ولا تفيد بهذا أنك ترضاه له ، وأنك تقرّه عليه ، بل غرضك أن تلومه وتوبخه على التمادي فيه.
وربما ساعد على هذا المعنى ما سبق في نزول الآية ، مما يدل على أنّ الرجل والمرأة كان كل منهما يمعن النظر في صاحبه ، حتى وسوس الشيطان لهما أنّ كلّا منهما معجب بالآخر.
(1) سعيد بن مسعدة ، عالم العربية ، من مصنفاته (معاني القرآن) توفي سنة (215) انظر الأعلام للزركلي (3/ 101) .