وإنّما أسند إلى الأنهار مجازا، كقوله: {فَما} رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة:16] ، وكما في قصّة فرعون: {وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف:51] .
{كُلَّما رُزِقُوا:} أطعموا من الجنّة من ألوان الثمرات.
{رِزْقاً:} طعاما.
{قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ:} أي: من نوع ما رزقنا من قبل، كقولك لإنسان: إنّ فلانا أعدّ لك طبيخا وشواء، فيقول: هذا من طعامي في منزلي كلّ يوم، يريد نوعه لا عينه. وعن ابن عبّاس وابن مسعود وقتادة ومجاهد: (من قبل) ، أي: في الدنيا. وقال يحيى بن كثير: ثمار الجنّة كلّما نزع منها شيء عاد كما كان، فلذلك يقولون: هذا الذي رزقنا من قبل.
وارتفع (قبل) على الغاية، كقوله: {لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم:4] ، وتفسير الغاية أنّه ظرف قطع عن الإضافة التي هي غايته، فصار كبعض الاسم في استحقاق البناء على الحركة لالتقاء الساكنين، وضمّت لأنّها تضمّ في حال الإضافة، فكانت أدلّ على البناء.
{وَأُتُوا بِهِ:} بالرزق.
{مُتَشابِهاً:} متجانسا، دون مشتبه، إذ الإنسان على الشي المألوف أقدم، وإذا وجد فيه فضل لذّة كان أسرّ.
{وَلَهُمْ:} الواو للاستئناف.
{فِيها أَزْواجٌ:} جواري. واسم الزوج يشتمل على الذكر والأنثى، قال الله تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة:35] .
{مُطَهَّرَةٌ:} من الحيض والنّفاس والأخلاق الرديّة والآفات.
والوصف بالطّهر أبلغ من الوصف بالحسن؛ لأنّ الحسن ربّما يتضمّن خبثا، قال صلّى الله عليه وسلّم:
(إيّاكم وخضراء الدّمن) .
{خالِدُونَ:} دائمون مقيمون لا يموتون ولا يخرجون منها أبدا.
26 - {إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي:} نزلت في المنافقين، قال ابن عبّاس وابن مسعود: إنّ الله تعالى لمّا ضرب المثلين اللّذين سبق ذكرهما قالوا: إنّ الله أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله الآية. وقال الحسن وقتادة ومقاتل وغيرهم: إنّ الله تعالى ضرب للأوثان المثل بالذّباب، وللكفّار المثل بالعنكبوت، فقال المشركون: إنّ ربّ محمّد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، فأنزل الله الآية.
الاستحياء امتناع يقضيه الكرم، وقد ورد وصفه تعالى به، قال صلّى الله عليه وسلّم مخبرا عن الله تعالى:
(الشّيب نوري، وأنا أستحيي أن أحرق نوري بناري) ، وقال ابن عبّاس: إنّ الله حييّ كريم.