قوله عز وجل: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} (إذ) ظرف لـ {تَضَرَّعُوا} ، أي: فهلا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا، ومعناه نفي التضرع، كأنه قيل: فَلَمْ يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا. قيل: وإنما جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلّا عِنادهم.
فإن قلت: قوله: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} يدل على أنهم تضرعوا بالدعاء، وقوله: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} يدل على أنهم لم يتضرعوا، فما الجامع بينهما؟
قلت: قيل: تضرعوا بالدعاء في كشف البلاء باللسان، ولم يتضرعوا بالإِنابة وإخلاص الطاعة، [فلم يعتد بذلك وذُمّوا عليه، وقيل: فهلا تضرعوا بالإنابة وإخلاص الطاعة] .
وقوله: {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} استدراك بعد النفي على المعنى، أي: فَلَمْ يتضرعوا ولكن.
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) } :
قوله عز وجل: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} أصل (نَسُوا) نَسِيُوا، وقد
ذكر نظيره. و {مَا} بمعنى الذي في موضع نصب بـ {نَسُوا} . وما ذكروا به هو البأساء والضراء وغيرهما من البلايا، أي: تركوا الاتعاظ به، ولم ينفع فيهم، ولم يزجرهم.
{فَتَحْنَا} : جواب لـ {مَا} ، أي: فتحنا عليهم أبواب كل شيء من الصحة والسعة وغيرهما من صنوف النعمة.
وقوله: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا} (حتى) غاية لفتحنا، أي: ما زال بهم الفتح إلى وقت فرحهم.
{أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} : جواب {إِذَا} ، وبغتة: فجأة، وانتصابها على الحال إما من الفاعل، أي: باغتين، أو من المفعول، أي: مبغوتين، أو على المصدر حملًا على المعنى، كأنه قيل: بغتناهم بغتة.
وقوله: {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} الفاء جواب الأخذ، وإذا هنا للمفاجأة، وهي ظرف مكان. و {هُمْ مُبْلِسُونَ} ابتداء وخبر. و {إِذَا} نصب بـ {مُبْلِسُونَ} . والمبلس: الآيس، قال أبو إسحاق: المبلس الشديد الحسرة، اليائس الحزين.
{فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) } :