وَأَنْفُسِهِنَّ ، لَا الْفُجُورَ الْمُرَادُ بِهِ سَفْحُ الْمَاءِ جَهْرًا وَلَا سِرًّا ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا هُوَ الِاحْتِيَاطُ وَبَحْثُ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ . وَالتَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ إِنْشَاءٌ لِحِلِّهَا الْعَامِّ الدَّائِمِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدَهُ بَلْ قَالَ: حِلٌّ لَكُمْ وَهُوَ خَبَرٌ مُقَرِّرٌ لِلْأَصْلِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: مَسْأَلَةُ مُؤَاكَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَمَسْأَلَةُ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُمَا مُحَرَّمًا مِنْ قَبْلُ وَأُحِلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، لَا بِتَحْرِيمٍ مِنَ اللهِ وَلَا بِتَحْرِيمِ النَّاسِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ; كَمَا حَرَّمُوا بَعْضَ الطَّيِّبَاتِ . فَهَذَا مَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ نُكْتَةِ اخْتِلَافِ التَّعْبِيرِ ، وَسَكَتَ عَنْهُ الْبَاحِثُونَ فِي نُكَتِ الْبَلَاغَةِ الَّذِينَ اطَّلَعْنَا عَلَى كَلَامِهِمْ ، وَحِكْمَةُ النَّصِّ عَلَى هَذَا الْحِلِّ قَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَى الْغُلَاةِ أَنْ يُحَرِّمُوهُ بِاجْتِهَادِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ ، عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَهُ مَعَ النَّصِّ الصَّرِيحِ ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّ طَعَامَنَا حِلٌّ لَهُمْ دُونَ نِسَائِنَا ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُزَوِّجَهُمْ مِنَّا ; لِأَنَّ كَمَالَ الْإِسْلَامِ وَسَمَاحَتَهُ لَا يَظْهَرَانِ مِنَ الْمَرْأَةِ ؛ لِسُلْطَانِ الرَّجُلِ عَلَيْهَا ، هَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ لِمَنْ يَفْهَمُ الْعِبَارَةَ مُجَرَّدًا مِنْ تَقَالِيدِ الْمَذَاهِبِ ، فَمَنْ فَهِمَ مِثْلَ فَهْمِنَا ، فَفَهْمُهُ حَاكِمٌ عَلَيْهِ ، وَلَا نُجِيزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَنَا فِيهِ تَقْلِيدًا .
(فَصْلٌ فِي طَعَامِ الْوَثَنِيِّينَ وَنِكَاحِ نِسَائِهِمْ)